كتابات المنفى

أعمامي اللصوص ....

01:54, 2008/7/13 .. التعليقات 0 .. رابط


أعمامي اللصوص
فيصل عبد الحسن*
-1-
 

اعتادت

جدتي أن تدعو الله مخلصة أن يحفظ أعمامي أثناء خروجهم ليلا لسرقة حلال المعدان * : ذهب وفضة نسائهم ، أبقارهم وجاموساتهم إذا لم يتوفر كل ذلك بسبب فقر صاحب الدار يعمدون إلى سرقة خرافه و معزاته ، وإذا لم يتوفر لهم ذلك سرقوا أي شيء من داره : القدور ، صحاف الأكل ، أسمال العائلة ، لئلا يقال إنهم غزوا وبسبب خوفهم من أن يثيروا الانتباه إليهم لم يغنموا شيئا .. جدتي أطال الله عمرها تعتقد إن المعدان من المشركين الكفار ، وسرقة حلالهم و اجب يوجبه الدين و تبيحه شرائع الملة ، وهي مفاهيم ليست صحيحة لا نعرف مِنْ مَنْ توارثها أهلنا ؟ و كان منظرها مضحكا ، وكلامها متناقضاً ، فهي تدعو الله تعالى رافعة يديها إلى السماء بخشوع عميق طيلة وقت خروج أعمامي في الهزيع الأخير من الليل لسرقة بيوت الناس ، طالبة من الله أن تتيه رصاصات المعدّان ، المتتبعة أولادها وتخطأ أهدافها ، وتسقط في التراب ولا تصيبهم ، فهم شغاف قلبها وزهرة عمرها ، وعند عودتهم فجرا سالمين ، غانمين ، تطلب منهم إن صادف خروجهم ليلة الخميس على الجمعة ، أن يستحموا في الصباح الباكر ، ويرتدوا أفخر ملابسهم ، ليتقدموا الصفوف في صلاة الجمعة ، وقد أنهوا أسبوعهم بما يرفع الرأس : سرقة بيوت المعدان و حلاقة شواربهم ، و فضح جبنهم أمام نسائهم ، وعند المساء يحكي كل واحد منهم قصة عما فعله في قرية المعدان في الليلة السابقة من أفعال بطولية ، وجد ي يردد على مسمعي وأنا اكتب كل ذلك ، ومع كل هذه البطولة التي تسمعها من أفواههم فان أعمامك لصوص إلى حد ما ، ويقهقه ضاحكا ، وتعلو ضحكات الأهل وسط دخان المواقد والمطال **يشتعل فيها بنار زرقاء ، ورائحة قهوة مركزة تنتشر في الهواء ، وزفير بخار كتلي الشاي وهو يرفع الغطاء بصوت مسموع ، وارتعاش شعلة فانوس النفط في مضيف جدي الواسع تعيد تكبير ظلال الأشخاص و بعد ذلك تصغرها على جدار القصب عدة مرات ، وتقص جدتي التي توسطت جلسة العائلة ، قصة يكركر الجميع بسبها ضاحكين .
- 2-
تقول جدتي في قصتها ، أن أحد أجدادنا في ليلة من ليالي الشتاء مضى ليسرق فرس أحد المعدان و قد اشتهرت بعدوها السريع وأصالة نسبها فدخل بيت المعيدي في غفلة من عبيده وأهله عند الغروب ، واختفى بين الأغطية و الوسائد ، وكان ينصت لزوجة المعيدي و هي تعد طعام العشاء و زوجها يستعجلها بسبب جوعه الشديد ، وأخذ الجد المختفي بين الوسائد والأفرشة يشم رائحة الطعام الزكية ، فأخذ شعوره بالجوع يزداد كل لحظة ، و قرر في نفسه أن يأكل مع المعيدي و زوجته عندما يحضر الطعام مهما كلفه ذلك الأمر من المخاطر ، وأخذ ينتظر الفرصة المناسبة ، وقد جاءت سريعا من غير أن يتوقع ، فحالما أكملت زوجت المعيدي طهي الطعام أطفأت موقد النار فعمّ الظلام في الغرفة ، ووضعت الطعام في قصعة ليبرد أمام زوجها، يقول الجد في القصة : انه انسل من مخبئه بهدوء ، وجلس بينهما ليشاركهما قصعة الطعام ...
فشعر المعيدي بأنفاس غريبة تتردد بينه وبين زوجته ، فحبس شكوكه ، وحالما امتدت يد جدي بتناول الطعام أمسك بها المعيدي و سأل ، من أنت ؟ يقول الجد انه عمد إلى حيلة بارعة للخلاص من هذا المأزق ، فأمسك بيده الأخرى يد زوجة المعيدي ، فصاحت على زوجها ، ماذا بك؟ أترك يدي لأكل ، لماذا أمسكت يدي ؟!! فترك المعيدي يد جدي ، وقد ظن انه قابض على يد امرأته ، وجدي بدوره ترك يد زوجة المعيدي وهكذا انطلت الحيلة على المعيدي وزوجته .
و علا الضحك في المضيف لبضعة ثوان ثم أكملت الجدة بصوتها الجهوري :
- و بقي الجد يأكل معهما وحين نفد الطعام بسرعة ، قال المعيدي لزوجته ...
- لم نشبع ، أجل لم نشبع ، هل قللت من طعامنا يا امرأة ؟ !!
و هنا تعالى ضحك أعمامي من جديد ، فانتظرت الجدة حتى هدأ الضحك ، و أكملت ، فأجابت زوجة المعيدي :
- عملت طعاما يشبع اثنين ، فتعوذ المعيدي من الشيطان الرجيم بصوت مسموع ، ثم قال :
- لقد أكل معنا الشيطان ...
فحبس الجد وهو بين الوسائد ضحكة مدوية كاد يطلقها لما قاله عنه المعيدي تكشف مكانه ، فيضيع منه الفرس ، فتعوذ من الشيطان في قلبه و حبس ضحكته بصعوبة شديدة ، و ما ان نام المعيدي و بدأ يشخر بصوت عال ، حتى تركت زوجته الفراش إلى أحد عبيد زوجها في فناء البيت ، يقول الجد انه شعر بفراسة اللص التي يراهن عليها دائما أن ذلك الوقت كان هو الوقت الملائم لسرقة الفرس ، فترك مخبأه وتوجه إالى مربط الفرس في الفناء و حل حبله و امتطاه و فر به ، فشعر المعيدي بسرقة الفرس من حمحمته ، و صهيله ، فتبعه مفزوعاً ، حافياً ، و بيده سيفه ، فتعثر بالعبد و زوجته بذاك الوضع المخزي ، فقتل العبد بالسيف بضربة واحدة شجت رٍأسه ، و هربت منه امرأته عارية ، فرمى عليها يمين الطلاق ، و تبع جدي راكضاً مع عدد من أفراد عشيرته ، الذين استيقظوا من نومهم مرعوبين ، و عندما انتاب المعيدي اليأس من اللحاق بسارقه صرخ عليه في جوف الليل ...
- لا بارك الله فيك ، لم يفعل بنا لص ما فعلته ، فضحتني في عشيرتي و قتلت عبدي ، وطلقت زوجتي ، و سرقت فرسي ، و أكلت عشائي ...
وتعالت ضحكات أعمامي في جوف الليل مما فعله جدنا من قديم الزمان بذلك المسكين ...
-3-
ثم يقص عمي الأوسط عن شبكة جواسيسهم ، التي توصف بأنها من أعقد الشبكات وأكثرها مهارة في التخفي ، ودقة في المعلومات التي تأتي بها عن حركات المعدان و استقراء نواياهم ، قبل أن تتحول إلى أفعال إلى حد أنهم في أحد الأيام عرفوا أن أحد المعدان ترك قريته ليبيع عددا من الجاموسات ، فتبعه ثلاثة من أعمامي و معهم حبل ليف و ضعوه في كيس ، وتبعوه إلى السوق و انتظروه حتى باع الجاموسات بألف دينار ، ووضع ماله في كيس من القماش ، و بعد أن أكل وجبة ثقيلة من الكباب الدسم في المطعم على عادة المعدان وأهل الريف عامة بعد أن يكملوا صفقة رابحة في المدينة و صلى صلاة الظهر في الجامع ، و بقي في الجامع ينتظر أن تميل الشمس قليلا و تخفت حدة ما ترسله من شواظ حارقة ، و بفعل حرارة الجو و الجهد الذي بذله منذ الصباح الباكر ، و أكلة الكباب الدسمة التي أكلها بدأ يغمض عينيه ويحاول فتحهما بصعوبة ثم قرر أن يغفو قليلا ، ووضع كيس المال تحت رأسه ، و أغفى قليلا و فتح عينيه على يد عمي الأصغر و هي تسحب كيس المال من تحت رأسه حاول اللحاق بعمي الذي أخذ الكيس و ركض إلى خارج الجامع إلا أن المعيدي وجد حبلا يزيد طوله على خمسة أمتار قد ربط بإحدى قدميه ونهايته ربطت بحافظة أحذية المصلين التي بدورها تم تثبيتها إلى الجدار ، و حاول المسكين حل العقد الكثيرة حول قدمه و عندما انتابه اليأس من فكها ركض باتجاه الطرف الآخر للحبل المربوط بحافظة الأحذية ، فوجد أن فك عقدته أيسر من فك العقد الكثيرة عند قدمه ، لذلك شرع بفك الحبل عند الحافظة ، و هنا ضحك عمي عميقا ، و قال هازاً رأسه كأنما يكشف سراً خطيراً ..
- حيلة بارعة اقترحها أخونا الأصغر و نفذناها عليه على أمل أن يبقى الحبل الذي يزيد طوله على خمسة أمتار مشدودا عند قدمه ، فيستطيع حل عقدة الطرف الأخر بيسر ، ولأنه سيكون مستعجلاً للحاق بالذي سرق ماله ، فانه سيضطر إلى حمل الحبل بين يديه ، و عند باب الجامع سيصيح عمي الثاني ، الذي بقي ينتظر خروج المعيدي مستصرخا أهل السوق بأن المعيدي لص فر من سجنه، وما إن ينظر الناس هيئته والحبل المربوط عند قدمه وبقيته بين يديه حتى يصدقوا نداء عمي ، و ذلك ما حصل فعلا ، فقد صدق الناس نداء عمي و أخذوا يضربون المعيدي ضربا مبرحاً لن ينساه طوال حياته ، و ترك عمي المشهد عند ذلك الحد يلحق بأخوية ، و أقتاد الناس المعيدي إلى أقرب مركز شرطة و الرجل يكاد أن يفقد وعيه لهول ما عاناه ، ووجدت الشرطة أن تسلمه إلى محكمة عسكرية لأنهم وجدوا انه تخلف عن أداء الخدمة العسكرية ، وبعد توقيف طويل في مقر الانضباط العسكري حكمت عليه المحكمة العسكرية بالسجن ثلاث سنوات ، و في السجن المركزي زاره أقاربه ، فرفع الرجل يديه إلى السماء و أنتحب باكيا ، و قال اللازمة ذاتها التي يقولها راوي القصة من أعمامي في الختام دائما :
- نعم يا إخوان لم يفعل بي لص ما فعله ذلك الملعون .. سرق مالي أمام عيني ، و رماني في السجن لثلاث سنوات غير الضرب الذي نلته في السوق .. لن أنسى وجهه ما حييت ، لا بارك الله فيه إلى يوم الدين ..
- 4 -
وبعد هذه القصة ازداد ضحك أعمامي و لغطهم ، و تعالى سعال المسنين المكتوم بسبب أدخنة لفافات التبغ وحرق المطال ،انشغلت - أنا ابن أخيهم - بكتابة أخبارهم و نوادرهم على ضوء فانوس في غرفة قصب ملحقة بالمضيف على أمل أن أنشرها عندما أكبر بكتاب يضحك الملل والنحل مما فعلوا ويطهرهم أيضا من ذنوبهم ، فقد ثقلت موازينهم بالجرائم ، وصاروا وحوشا بشرية ... نعم وحوش بشرية ضاحكة من ألا م الناس و مصائبهم ، و أتذكر إنني سألت عمي عن ذلك المعيدي ، الذي سرقوا ماله و تسببوا بسجنه ، فقال لي:
- نسمح لك بسؤال واحد فقط !
فقلت نعم ، موافق على شرطك ، قال : ما هو سؤالك ؟! قلت : أخبروني كيف تم لكم ربط قدم ذلك المعيدي النائم بالحبل وسط المسجد دون أن يعترضكم معترض ؟! فقال عمي : أقمنا حوله سترا عن الناس!! فسألت : و من أين أتيتم بالستر ، و هو لم يظهر في القصة ؟ ! فضحك عمي ، و قال هازئا من جهلي :
- لقد اتفقنا على سؤال واحد فقط ! وهذا سؤال ثان !! وعلينا أن تنفق عليه !
وتعالى الضحك في المضيف من سذاجتي وطيبتي الزائدة ، فأخذت أوراقي وانصرفت وفي نيتي أن أختتم قصتي بلازمة تخصني أيضا استقيتها من قول جدي يرحمه الله في آخر أيامه في هذه الفانية : أن أعمامك لصوص إلى حد ما !! وحتى هذه اللحظة لم أفهم ما قصد جدي بعبارة إلى حد ما ، فاللص كما اعرف هو اللص ، ولا اعتقد أن هناك لصاً إلى حد ما !! كأنني به يقول : هذا ميت إلى حد ما !! أو هذه حبلى إلى حد ما !! رحم الله جدي لقد كان منافقاً كبيراً وغفر الله لأعمامي لقد كانوا لصوصاً محترفين تركوا آثارهم المؤذية في سيرة حياة ضحاياهم !
هوامش
*المعدان : سكان منطقة الأهوار في جنوب العراق وتعود أصولهم إلى السومريين سكان البلاد الأصليين وهم يعيشون على صيد الأسماك وتربية الحيوانات ومنها الجاموس .
** المطّال : دمن الحيوانات المجفف ويستخدم في الريف العراقي وفي منطقة الأهوار بالذات كوقود للطهي والتدفئة .
* الكاتب عراقي يقيم بالمغرب / الاسم الثلاثي : فيصل عبد الحسن

faissalhassan@maktoob.com أيميل


اضف تعليق

{ الصفحه السابقه } { صفحه 29 من 37 } { الصفحه التاليه }

معلوماتي

صفحة البدايه
معلوماتي
الإدراجات السابقة
قائمة الاصدقاء
البوم صورك الخاصه

روابط


اقسام المدونه


احدث الادراجات

لم أسمعه مرة يشكو لأمه دهره..!!
أعور ومتخلف عقليا يصدر جوازات ..!!
أطلاق سراحه وتعيين لجنة من الأطباء لمعالجته ..!!!
أنه التسكيط العراقي يا صديقي !!.....
لأجل كل هذا .....

قائمة الاصدقاء