الفنان الكبير د.بدري حسون فريد يناشد البرلمان العراقي!
| ! اكتب تعليقك رجاء! |
|

الفنان الكبير الدكتور بدري حسون فريد
وصلت إلى المدونة رسالة الفنان الكبير د.بدري حسون فريد ننشرها ليطلع عليها القراء ونأمل أن يكتبوا تعليقاتهم حول الموضوع مع الشكر.
مناشدة / إلى البرلمان العراقي الموقر السيد رئيس لجنة التربية والتعليم الأستاذ النائب علاء مكي المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لاشك في أنكم وأعضاء لجنتكم المحترمين اطلعتم على قرار إغلاق المدرسة العراقية في العاصمة المغربية الرباط منذ 21 آذار 2009 بسبب أكاذيب وادعاءات نشرها أحد العراقيين في الأعلام المغربي بدعوى ترويج المناهج الدراسية العراقية للمذهب الشيعي ، مستغلاً أجواء توتر العلاقات المغربية الإيرانية ، وهو ما أدى إلى أن تغلق السلطات المغربية المدرسة العراقية في الرباط، وبذلك فقد عرّض مستقبل الطلبة والتلاميذ إلى الضياع، ودفع بالطاقم التدريسي والخدمي من العراقيين إلى البطالة بعد توقف مديرة المدرسة عن تسديد رواتبهم. إن جمعيتنا ، جمعية الرافدين العراقية في المغرب، التي تأسست بعد سقوط النظام السابق للدفاع عن مصالح الجالية العراقية ، تدعوكم إلى الوقوف إلى جانب هؤلاء المدرسين والعاملين في المدرسة لإيجاد حل يحفظ لهم حقوقهم المهنية والمادية وفق نظام التمويل الذاتي الذي تبنته المدارس العراقية العاملة خارج العراق منذ مطلع تسعينات القرن الماضي . ونذكر في هذا الصدد أن مديرة المدرسة العراقية في الرباط سبق لها وأن تبرعت بمبلغ 160000 ( مائة وستين ألف ) دولار إلى عدد من المدارس العراقية في الخارج مرت بأزمات مالية وبإيعاز من وزارة التربية ، وهذا المبلغ في حقيقته رصيد احتياطي لرواتب مدرسي المدرسة ، والعاملين فيها. ننتظر إجراءاتكم ، لحل هذه المشاكل قبل أن نضطر بسبب أن أوضاع هؤلاء الأساتذة أخذت تسوء كل يوم، إلى طرحها على القضاء المغربي والقضاء العراقي ،ولجان حقوق الإنسان في المغرب والعراق، وإثارة هذه الطلبات العادلة في كل المحافل الإعلامية العراقية والعربية والأجنبية، ونحن نراهن على حكمتكم ، وأخلاقكم الرفيعة، وفهمكم لحقيقة سوء أوضاع مواطنيكم في هذا البلد، وقد قطعت بهم السبل،واستقروا في هذا البلد منذ عشرات السنوات ، ولا يستطيعون العودة إلى الوطن حتى لو أرادوا ذلك، لأنهم بكل بساطة لا يملكون فيه شيئا، ولا يستطيعون أن يبدؤوا من الصفر فيه،ومعظمهم قاد جاوزت أعمارهم الخمسين عاما، نرجو النظر في حل مرض ،لمشكلتهم وتعويضهم ماليا في حالة فشل الجهود في أعادة فتح المدرسة في الرباط ثانية،ونسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في سجل أعمالكم الطيبة.. وتقبلوا فائق الشكر والاحترام والتقدير. رئيس جمعية الرافدين العراقية في المغرب د.بدري حسون فريد
أنقر على الوصلة أدناه لتقرأ المنشور حول الموضوع على الصفحة الأولى من جريدة المنارة ليوم 10/6/2009:
|
مولد رسول الكون ومعجزته....

ذكرى مولد الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم التي مرت علينا في 12 ربيع أول والتي صادفت في 30 آذار الماضي هي بحق ذكرى عزيزة على قلوبنا جميعا. في أوائل شهرِ ربيعٍ الأولِ الذي ولِدَ فيهِ سيدُ العالمينَ محمدٌ، حيث استقبل العالم مناسبةً عظيمةً وذكرىً طيبةً عطرةً، ذكرى ولادَةِ فخرِ الكائناتِ سيدِنا محمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ.وفي هذا اليوم الأغر

تجلل الكون بالضياء بولادة سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الأخيار،إذ نادت الملائكة يا حبيبنا يا رسول الله وشفيع بني البشر يوم القيامة،يامن فقت الكرماء بكرمك وتفوقت على الشجعان بشجاعتك، يوم مولدك ساعات متألقة في تاريخ الكون ولحظات فيها انبثق ضوء خارق تغلغل في الأفاق وأضاء العتمة، يامن ستبقى البشرية مدينة لصبرك وشجاعتك وإصرارك على توصيل رسالة الحق في أصعب الظروف وأقساها ووقفت ومعك الحق ضد رجال قدت قلوبهم من الصخر بل هي أشد قسوة من الصخر، يا حبيبنا يارسول الله أن القلب ليفرح في ذكرى مولدك والعين تهمل دمعا فرحا بذكرى إطلالة نورك عبر الزمن.

قبر الرسول واجهة
ومن معجزات رسولنا الكريم ما ورد في الآية 1-2-3 من سورة القمر التي تروي حادثة شهيرة تناقلها الناس في عهد الرسول الكريم، وإلى يومنا الحاضر إذ طلب بعض المشركين من الرسول أن يدلل على صدقه في رسالته بمعجزة يرونها بأعينهم، وطلبوا منه بخبث وهم يشيرون إلى القمر طالبين منه أن يشقه لهم إلى نصفين ويعيد لصقه بعد وقت معين... يقول الله تعالى في محكم كتابه عن تلك الحادثة:
اقتربت الساعة وانشق القمر وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهوائهم وكل أمر مستقر .صدق الله العظيم ...1-2-3 القمر
في لقاء مع رواد أبوللو 17 في آخر رحلة بشرية إلى القمر أجرته معهم القناة التلفزيونية البريطانية أوائل 1972 سأل مقدم البرنامج التلفزيوني عن غاية العملية المكلفة من وراء رحلات بشرية إلى القمر والتي أنفقت عليها الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 350 مليارا من الدولارات وغير تلك الأهداف السياسية التي متعلقة بالحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق ودول الكتلة الاشتراكية سابقا وهنا قال عالم الفضاء هانس التابع لوكالة ناسا الفضائية في ذلك اللقاء أنهم تأكدوا خلال هذه الرحلات المأهولة بالبشر إلى القمر من أن ثمة شقا طوليا فصل القمر إلى جزئين متساويين منذ أكثر من 1400 عام ثم عاد الجزءان المنفصلان من القمر للالتحام ثانية وأنهم على الأرض قد توصلوا إلى نتائج وقراءات باهرة حددت بدقة صدق هذه المعلومات ولكن الزيارة الميدانية للقمر أثبتت هذه الحقيقة بما لا يدع مجالا للشك بصدقها كما أن المركبات الفضائية المأهولة بالإنسان إلى القمر قد جلبت في عودتها صخورا من تلك المنطقة الرابطة التي تم من خلالها ربط جزئي القمر عند عودتهما للاتحاد ثانية وتم تحليل تلك النماذج في المختبرات وتوصل الأمريكان إلى نتائج علمية مذهلة ومردودات صناعية لا يمكن حصر فوائدها بأي رقم مالي يمكن أن نتخيله ويهمنا هنا أنهم توصلوا إلى حقيقة أن القمر أنشق إلى جزئين قبل 1400 سنة وعاد إلى الالتحام ثانية وتروى لنا السيرة النبوية العطرة أن عددا من مشركي مكة جادلوا الرسول الكريم في بداية الدعوة الإسلامية وطلبوا منه أن يشق لهم القمر كما أسلفنا أن كان صادقا في نبوته وأنهم بحاجة إلى آية يرونها ليصدقوا أن ثمة رسولا قد بعث فيهم، فرفع الرسول الكريم أصبعه إلى السماء وأشار به إلى القمر، فأنشق القمر الذي كان بدرا بأذن الله وهنا ألتفت المشركون إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبدلا من أن يؤمنوا بدعوته لهم بالتوحيد قالوا بصوت واحد سحرنا محمد بسحره وجعلنا نرى ما يشاء أن نرى فقال لهم من حضر ذلك اللقاء من المؤمنين انتظروا المسافرين القادمين من دروب الصحراء ليخبروكم أن كانوا رأوا ما رأيتم ولما وصل المسافرون إلى مكة أخبروا أهلها أنهم رأوا أثناء رجوعهم إلى مكة رأوا انشقاق القمر إلى نصفين متساويين وعودة النصفين بعد ذلك للأتحام مرة أخرى:

اقتربت الساعة وانشق القمر وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهوائهم وكل أمر مستقر.صدق الله العظيم ...1-2-3 القمر
وقد ربط ألله سبحانه وتعالى انشقاق القمر باقتراب يوم القيامة وأن ألاف السنوات عند رب العزة ما هي إلا برهة قصيرة من الزمن ويؤكد سبحانه وتعالى أنهم برؤيتهم الانشقاق يرون آية معجزة من المعجزات لكنه عز من قائل يقول عن هؤلاء الذين طلبوا من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم معجزة ليصدقوا ويؤمنوا : يعرضون ويقولون إنما سحرنا محمد بسحر مستمر أي أن سحره غشي عيوننا وجعلنا نرى لساعات ما يراد لها أن ترى ثم يكمل العزيز الحكيم واتبعوا أهوائهم وكل أمر مستقر وهنا إشارة الجليل واضحة بأتباع المشركين أهوائهم وقد استقر حالهم على هذا الإتباع

فلا تغيره المعجزات مهما عظمت فهم قد تبعوا هواهم ومن يتبع هواه فقد استقر إلى ما يقوده إليه هذا الهوى الأعمى وهو معصوب العينين.وهكذا نرى ما وصلنا في القرآن الكريم قد سبق اكتشافات الأمريكان وإعطانا صورة حقيقة لما حدث دون أن نبذل جهدا أو نصرف مالا في مثل هذه الاكتشافات. وفي مثل هذه الذكرى العطرة نستذكر ما أوصانا به الرسول الكريم في ضرورة الاتحاد والمحبة والتمسك بما جاء به لئلا نضل ونبوء بغضب من الله تعالى.
وحمدتُ الله لأني فقير ..

فيصل عبد الحسن*
التقيت به أول مرة وقد بدا لي جائعاً ، بلحية نامية وملابس رثة . كان يجلس على صفيحة زيت فارغة عند باب دكان أحد أبناء أصدقائي ، وقد أمسك بيده ربابة لها وتر واحد ، وأخذ يغني بصوت عذب :
توهمه قلبي فأصبح خده وفيه مكان الوهم من نظري أثر
ومر بوهمي خاطراً فجرحته ولم أر جسماً قط يجرحه الفكر
ثم عزف بربابته فهز وجداني ، وأطلق خيالاتي وأحلامي من عقالها ،وبعد قليل صمت وأخذ صوته يعلو ، مهدداً التجار بالويل والثبور والخسارات الكبيرة ، ويطلب منهم أثناء ذلك شراء بضاعة معينة . كانت أسعار البضائع في صعود ونزول بسبب التضخم الاقتصادي في البلاد الذي فاق كل التوقعات ، لقد أخبرني أبن صديقي عندما استقبلني :
- لولا صوته العذب لما سمحت له بالجلوس عند باب دكاني ، وكما ترى فأنه يجود علينا بين الحين والآخر بأبيات شعرية مصحوبة بعزف ربابته .
دققت النظر في وجه الرجل : لم يبد عليه أنه من متسولي السوق الذين أصادفهم كل يوم في تجوالي فيه...ضحك أبن صديقي وهو يناولني الكرسي أجلس قريباً من مكان جلوسه داخل الدكان كعادتي عندما أزوره ،وقبلها في ذلك الزمن الذي مضى حين كنت أزور أباه يرحمه الله …
جلست ورأيت صورة أبيه المعلقة تبتسم لي ككل مرة أجلس فيها مع أبنه في الدكان ، وكان أبوه يرحمه الله بشوشا، ضحوكاً ، محباً للنكتة وأتذكر إنه كان يسافر من مدينة إلى أخرى ليسرد نكتة لصديق له ، أو ليستمع منه إلى نكتة، وعندما مات وشيعناه -نحن أصحابه- لم نطق جو الحزن والكآبة في المعزى، فأخذنا نردد بعض نكاته الشهيرة التي كان يستهزئ بها من الحياة الدنيا ناقلين قوله ( انه التقى يوماً بأحد الثقاة ، وكان ذلك التقي إذا صادف شيخاً بكى ، وقال هذا سبقني إلى الطاعة ، وإذا رأى طفلاً بكى وقال هذا سبقته إلى المعصية… وبالنتيجة انتهت حياة التقي بالبكاء من غير أن يعمل صالحاً في حياته ينتفع به الناس ..) ومن النكات التي ترددت في المعزى ذلك اليوم نكتته الشهيرة : )أنه كان ببغداد امرأة ضاق بمعيلها العيش وندرة العمل فطلبت منه أن يسافر إلى مدينة أخرى باحثاً فيها عن عمل ، وعندما لم يستجب لها ألحت عليه ، حتى سافر فراراً من إلحاحها وليس حبا بالبحث عن عمل ، وشاءت قدرة الله أن يرزقه هناك بعمل ووسع عليه بالرزق فربح ألف دينار، وأشترى بما ربح ناقة ، وعاد بها إلى بغداد ، وفي الطريق ضايقته الناقة بسبب هياجها الزائد ، وعدم قدرته على ضبطها ، وقيادها ، وفي مرة من مرات هياجها رفسته رفسة مؤلمة ،كادت أن تقتله ، فتذكر زوجته التي ألحت عليه بالسفر فأزداد غضبه منها،وحلف بالطلاق منها إنْ وصل بغداد سيبيع الناقة المتهيجة بدينار واحد ، نكاية بزوجته اللحوحة ، وعندما وصل إلى بغداد ندم على قسمه ، وأخبر زوجته بالقصة ، فقامت إلى قلادة من الزجاج الملون الزهيد الثمن ، ووضعتها حول رقبة الناقة ، وقالت له عندما تدخل السوق ناد عليها: من يشتري هذه القلادة بألف دينار والناقة بدينار واحد، ولا أفرق بين الناقة والقلادة بالبيع... فجاء بدوي وأخذ يدور حول الناقة ، صائحاً بإعجاب : ما أجملك من ناقة، وما أ فرهك وأحسنك لولا هذه القلادة في عنقك … )
وأخذت الضحكات تتعالى من أفواه أصدقاء أبيه في المعزى ، وكان أهل العزاء الذين يعرفون ميتهم تمام المعرفة يغضون الطرف ، وهم يعلمون أنّ ميتهم لم يحزن يوماً قط لأي سبب من الأسباب ، وكان يواجه الحياة بابتسامة دائمة وقهقهة عميقة ، ونظرت إلى ابن صاحبي وقلت في نفسي : الولد سر أبيه … وقال مقاطعاً ذكرياتي :
- كان تاجرا وأفلس أثناء تقلبات السوق فلم يحتمل المصيبة وفقد عقله كما ترى ، إلا أنه يستطيع أن يتنبأ بما ستؤول إليه أسعار البضائع في السوق ، وأيها سيرتفع ثمنه أو ينخفض ...فدهشت ونظرت إلى ابن صديقي مستوضحاً ، فأكمل :الغريب في الأمر أن كل ما يقوله حول الأسعار يتحقق بسرعة ، ولانه مجنون فلا يصدق أحد نبوءاته . وفي هذه اللحظة نادى أحد عمال الدكان على ابن صاحبي أن يأتي لينظر البضاعة الجديدة في المخزن ، وكنت اعرف من تجارب سابقة لي مع والده ومعه أنه سيغيب عني في المخزن في احسن الأحوال لمدة نصف ساعة ، وعلي في هذا الوقت أنْ أجلس وحدي مفكرا بحالي بعد أن تركت وظيفتي غير أسف عليها بسبب تدني راتبها والجهد الكبير المبذول فيها ، ولم يكن أمامي ما افعله غير أن أتجه إلى(المجنون) الجالس في باب الدكان بفكري ، وهي طريقة جديدة تعلمتها للهروب من واقعي الصعب الذي أخذ ينوء علي بثقله ، ويصهر ني تحته ، ورحت أستروح الهدوء الخدر الذي أشعر به :قدمت للمجنون قطعة حلوى احتفظ بها في جيبي أعطيها لابناء أصدقائي للمجاملة ، فقبلها مني وبدا عليه السرور. (نعم عمل التضخم عمله في الرواتب ، ولم يعد الراتب يكفي لشراء كيلوغرام من السكر..) وقد تخليت عن كل حقوقي التقاعدية في الوظيفة التي تركتها ، وقررت أن اعمل بالتجارة كغيري من الذين استطاعوا أن يعملوا في هذا النشاط بالرغم من عدم معرفتهم بها في هذه الأيام التي ضاع فيها التسلسل المنطقي للأحداث والتغيرات في الأسواق ، وهمست لابن صديقي الغائب أني سأشارك هذا المجنون المشروع التجاري الذي أنوي المباشرة فيه ، فحبس أبن صاحبي ضحكة ، وبدا لي أنه يشبه أباه حينما يكبت ضحكته ويتصنع الجد ، وأخبرني أنه سيبقى على اتصال بي ليعرف النتائج . همست بأذن الرجل المبارك ، فقد قررت آن لا أسمي المجنون إلا بهذا الاسم ، أن أتبعني ... فتبعني المبارك حتى وصلنا إلى بيتي ، تفاجأت زوجتي برؤية المجنون الذي يصحبني ، فأدخلته قبلي . نظرت زوجتي إلى المجنون محتجة ، قلت لها بهدوء :
- سيعيش معنا ...
صرختْ :
-تترك وظيفتك وتأتي بمجنون ليعيش معنا ، لقد عشت طوال السنين الماضية مع مجنون دون أن ادري … كل معارفي قالوا عنك ذلك عندما تركت وظيفتك قبل أن تحصل على الراتب التقاعدي من الحكومة بفترة قصيرة …
تحرك المبارك إلى زاوية الدار وجلس مدندناً بأغنية مركبة يشترك فيها عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأم كلثوم بمصاحبة نشيطة لأنغام الربابة الحزينة ، وكدت أنفجر ضاحكاً من ذلك الكوكتيل الغنائي العجيب ، قلت لزوجتي محاولاً تهدئتها :حبيبتي ونبض قلبي .. أخيراً حصلنا على الدجاجة التي تبيض ذهباً . سترين ، يا حبيبتي العجائب ، وقبل ذلك أرجو أن تعدي للمبارك الحمام ليستحم .ثم قلت بطريقتي الاحتفالية التي تحبها زوجتي كثيراً :وبعد ذلك سنرى ماذا أعدت جميلة الجميلات لنا من طعام لذيذ للغداء ؟قالت مصممة: لن أعد الحمام لاحد ولن أعيش مع هذا المجنون تحت سقف واحد أبداً… وقد نسيتْ حكمة الصبر عليّ عندما أصمم على أمر معين ، وكأنها غير المرأة التي عشت معها أكثر من عشرين عاماً ، ولي منها أبنتان متزوجتان وعلى وشك أن تضعا مولودين فنصير أجداداً .ثم لعلع صوتها كأطلاقات الرصاص : - أنا أو هذا المجنون .. هذا جنون لا يطاق ، لا يطاق حقاً …
شعر المبارك بالخوف من صوتها العالي ، فأخذ يبكي ، فأشتد غضبي على زوجتي ، وقلت لها وأنا أكاد أنفجر من الغضب : لقد أخفت المبارك ، وكررت المرأة بعصبية بالغة :أنا .. أو هذا ؟ قلت مصمماً :إذا كان ثمة خيار ، فأنا أختار هذا المبارك …فأخذت عباءتها وخرجت من الدار لا تلوي على شيء متمتمة :أنا وأنت ولا نستطيع أن نشبع في هذا الغلاء الكافر، فتكحلها بمجنون ؟عندما تركتني وحدي مع المبارك شعرت بالارتياح .
أدخلته إلى الحمام للاستحمام وحممته بيدي وحلقت له ذقنه وألبسته من أفضل ثيابي واطعمته ، وبعد ذلك اصطحبته إلى الحلاق القريب ليقص له شعره ، وأفهمت أحد جيراني بأن المبارك أحد أقاربي ، وكنت أعرف أن ذلك الجار سيشيع قرابتي هذه إلى جميع الجيران ، وحالما جلست والمبارك بعد العشاء وهو في أحسن حال حتى أخذ يردد :الفاصولياء والعدس سيرتفع ثمنهما عما قريب …ثم أخذ يغني أغنياته المركبة . وبعد فترة قصيرة تعب المبارك من ترديد الأغنيات وتنبؤات السوق وبدأ يتثاءب ، ففرشت له أفرشة المنام في غرفة مهجورة في أعلى الدار وأفهمته أنها غرفته .
لم أترك الوقت يمر ، اتفقت مع بائع جوال أعرفه أن يشتري ما أملكه في منزلي من أثاث وأجهزة كهربائية : الثلاجة والمجمدة وأجهزة التكييف والتلفاز وغرفة الاستقبال وغرفة النوم والغسالة الكهربائية وأشياء كثيرة ، وتجمع عندي مبلغ لا بأس به كبداية للاشتغال بالتجارة ، وفي اليوم التالي اشتريت بالمبلغ الذي جمعته ما وجدته في أحد الدكاكين من أكياس حبوب الفاصولياء والعدس وأخفيت تلك الكميات في داري ، وبعد يوم واحد ، وقد أمضيته في التمعن بما يقوله المبارك ، والاستمتاع بسماع أغنياته المركبة ..كانت أسعار الفاصولياء والعدس قد تضاعفت عدة مرات ، وقبلت المبارك بين وجنتيه من فرط سروري ، واسرعت الى السوق ببضاعتي وبعتها بأضعاف المبلغ الذي أشتريت به ، ثم حين عدت الى البيت وحقيبتي ملآى بالمال سمعت المبارك يتحدث عن السجائر مع نفسه ، ويردد أن أسعارها سترتفع ، فخرجت مرة ثانية وتوجهت الى السوق واشتريت بكل المال الذي معي أنواع السجائر الرائجة بالسوق وحملت البضاعة الى البيت ،وامتلأ بيتي بمغلفات السجائر وما أن جلست في البيت أطعم المبارك بيضتين سلقتهما له وهو يسمعني مقاطع من أغنية( انت عمري) ، لكنه أنقطع عن الغناء فجأة ، وسألني سؤالاً لن أنساه طيلة حياتي ، لقد قال متصنعاً الهدوء والعمق ، والبساطة :ما هدفك من جمع المال الكثير ..؟أبتسمت ، وقلت في نفسي : (المبارك أحمق ولا يعرف فوائد المال … ) وقلت له:أريد أن أكون أغنى الاغنياء … لم يجبني وبدلا من أن يكمل أغنية أنت عمري لأم كلثوم حتى طفق يبكي بدموع غزيرة وهو يردد : لا . لا … عدة مرات .
في الصباح تحققت نبؤة المبارك وارتفعت أسعار السجائر بشكل لم يتوقعه احد ، وبعت بضاعتي بمبالغ مضاعفة ولأن مالاً كثيراً ربحته فلم أستطع أن احمل كل ذلك المال الى بيتي ، فاستعضت عن ذلك بإن وضعته في حسابي في المصرف القريب من السوق ، وهرعت الى المبارك وسمعته يردد : السكر … السكر ياصاح ... كان السكر منخفض الثمن بالرغم من ارتفاع أسعار المواد الاخرى إلا أنه لم يحقق قفزات كبيرة منذ مدة طويلة ، ومع هذا ذهبت وأشتريت بمالي كله الكثير من السكر ،وخزنته في احد المخازن التي قبل صاحبها أن أكتريه منه ، وخلال شهر واحد لم أكن اعرف فيه نهاري من ليلي صرت من الذين يملكون الملايين ، وقررت أن ألتفت الى نفسي ، وبالرغم من أنني أستعدت أثاثي إلا أنني شعرت بأن البيت لم يعد واسعاً بما فيه الكفاية فأشتريت فيلا واسعة بحديقة ومسبح واخذت معي المبارك ، وعندما جاءت زوجتي باكية طالبة أن أصفح عنها قلت لها : أخيراً اقتنعت بالعيش مع مجنونين ... فهزت رأسها موافقة ، وذرفت الدموع أمامي لكن بسبب الملايين الكثيرة التي أملكها ، ولعدم وقوفها معي في أول الطريق كما كنت اعتقد ، والمتع التي أتخيلها من دونها ومن دون قيودها ، كل تلك الأمور جعلتني أرمي بيمين الطلاق عليها ، دون أن يرف لي جفن فقد حولت الملايين التي جاءتني بسرعة ودون تعب حقيقي قلبي الى حجر ، وناولت تلك المرأة التي كانت في يوم من الايام حبيبتي التي لا أبدلها بأموال الدنيا حزمة من ورق النقد تعوضها السنوات التي قضتها معي ،فرمتها بوجهي وتركتني وحدي مع المبارك وخرجت . أشتريت أفخم السيارات وتزوجت مرة ثانية وثالثة أجمل الفتيات ، ولم أقنع بالنوم في الفيلا الواسعة بل أخذت أقضي ليالي في أفخم الفنادق ، وكان المبارك يصحبني أينما ذهبت ، وكنت أخبر الموظفين عندي بتوجهات السوق ، وفي المساء يحملون لي سجلات الحسابات لارى كمية الاموال التي ربحناها ، ومللت الاتجار بعلب الكبريت والبيض وشفرات الحلاقة والاسمنت والعقارات ، إذ لم تشعرني تلك الاشياء بروح المغامرة ، وفي ليلة من الليالي أيقظني المبارك ليبلغني بضرورة الاتجار بالكلى وقناني دم البشر ، وبالرغم من أشمئزازي من هذا النوع من البضائع إلا أنني دخلت هذا المجال من التجارة وأخذ وكلائي المنتشرون في البلاد إغراء الشباب لبيع كلاهم أو قنينية من دمائهم ، ليشحن بعد ذلك كل ما أشتريناه ليباع الى دول العالم المختلفة…. و في احدى الأماسي وانا جالس في شرفة قصري ، وانا ألوم نفسي للمنحى الجديد الذي قادني دون أن أشعر الى كل ما كنت أدينه وأدين فعله في الحياة ، وأني تركت الرغبة الشديدة في الحصول على المال تقودني، لأنحدر الى هذا المنحدر القذر ، وفجأة رأيت المبارك يشهر بوجهي مسدسي الضخم وقد نسيته ليلة الامس قريباً من فراش نومي… قال بهدوء :الان ستموت .. لقد أخذت أموالي وتركتني مفلساً …
قلت له : كل أموالي سأكتبها بأسمك ، ولكن أترك المسدس أرجوك ..لكنه لم يفعل ، وقلت في نفسي ، ما فائدة مال لاينقذك من جنون مجنون .. حاولت أن أهجم عليه ، فأطلق الرصاص عليّ بغزارة ، وفي هذه اللحظة صاح بي إبن صاحبي ، وهو يعود من مخزن الدكان ، ويهز كتفي:هل نمت ..؟ تركتك نصف ساعة ، فلم تضعها سدى ، ما أكثر شبهك بصاحبك يرحمه الله .نظرت حولي ، كان المجنون عند باب الدكان يصلح ربابته و يغني :
ودب هواها في عظامي فشفها كما دب في الملسوع سم العقارب
فحمدت الله في سري لأني فقير وإن كل الذي رأيته كان كابوساً…
وابتسمت بوجه أبن صاحبي وتمتمت : الحمد لله .. الحمد لله ...
مولد الرسول الأكرم وأثنتا عشرة طلقة !!
فيصل عبد الحسن * حلت قبل فترة ذكرى عزيزة على قلوب المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، هي ذكرى ولادة سيد الكون محمد بن عبد الله رسول الله ،وخليله، كما كان إبراهيم عليه السلام خليل الله ، فمحمد خليل الله ، صلى الله عليه وسلم والتي نحتفل بها كل عام ، في 12 من ربيع الأول و تصادف أنها كانت يوم (الخميس في العشرين من شهر آذار). لقد مرت الذكرى والمؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها في هضم،وغيظ شديد مما نال رسولهم الكريم من إساءة واستهزاء في الدانمرك،وغيرها من البلاد الأوربية وتكرار الإساءة بإعادة النشر لجس نبض غيرة المسلمين على رسولهم الكريم ودينهم الحنيف،وتجيء تصرفات هؤلاء العنصريين المغالين في جو عالمي تطغي عليه ما يسمى الحرب على الإرهاب ، وهي الحرب التي رافقتها محاولات خلط متعمد بين الإرهاب والإسلام ، الذي بني على المحبة والسلام واحترام الأديان وقد كان أساس الدعوة الإسلامية أن لا أكراه في الدين .... وأيضا على تساوي الناس بالعرق واللون بقول رب العزة في ذلك : إن أكرمكم عند الله اتقاكم ... مرت ذكرى مولد سيد البشرية الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم وحديث الرسوم المسيئة لرسول الله في الدانمرك لا يزال يتفاعل عن مزيد من مشاعر الكراهية تجاه كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين مع اتساع لشعبية اليمين المتشدد الذي يحكم الدانمرك في الوقت الحالي وللأسف ، كثرت الإساءات على مواقع الانترنت وفي الصحف وفي الفضائيات ولا تقرأ أو تسمع وترى خلالها إلا التشهير بالإسلام والمسلمين وربط دينهم بالإرهاب والعنف والوحشية !!

وقد بدأت قصة الرسوم المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عندما أدين معلق الإذاعة الدانمركية ويدعى (كاي فيلهيلمين) بانتهاك قوانين مكافحة العنصرية بسبب تصريحاته النارية ، المعادية للإسلام حيث طلب جهارا من خلال الإذاعة الدنمركية بإبادة المسلمين في أوربا !! كما واجهت محطة محلية دنمركية أخرى تدعى (إذاعة هولجر)، وهي ذات ميول يمينية متطرفة بسبب ما تذيعه يوميا ضد المسلمين مطالبات بوقفها، وخلال هذه الظروف أراد مؤلف كتب أطفال دنمركي أن يضع على غلاف كتابه صورة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وكما معروف فان صور الأغلفة لقصص الأطفال تكون عادة على هيئة كاريكتور، وقد رفض رسام الكاريكاتير المكلف بإعداد الغلاف رسم هذه الصورة فقرر المؤلف أقامة مسابقة لرسم الرسول صلى الله عليه وسلم بهيئة مسيئة ، حيث قدمت للمسابقة رسومات لاثني عشر رسام كاريكاتير أرسلوا اثنتي عشرة صورة مسيئة للرسول الكريم ، تتضمن إيحاءات وإشارات فجة تحض على الكراهية والازدراء وتقرن الرسول الكريم بالإرهاب والاعتداء والرذيلة. واستغلت الصحيفة الدنمركية اليمينية المتطرفة (يولاند بوسطن) وهي صحيفة الحزب الحاكم في الدنمرك هذه الفرصة فنشرت تلك الصور ضمن مقال بعنوان تعرفوا على محمد!! واتبعت ذلك المقال بسلسلة يومية من المقالات المتشابهة وتجرأت صحف أخرى في دول عديدة على إعادة نشر تلك الصور المسيئة ومن تلك الصحف صحيفة نرويجية أعادت نشر الصور صبيحة عيد الأضحى المبارك الماضي!! والأشد مضاضة أن ذات الصحف وأخرى أوربية استعدت لتستقبل - ذكرى ميلاد الرسول الأكرم- الميمونة بإعادة نشر تلك الصور (المهينة)لا للرسول الكريم حاشاه وحده بل لكل رسل الإنسانية الذين جاءوا ليغيروا حياة الناس فوق هذا الكوكب من حياة الفحش والرذيلة لحياة الفضيلة والسلام والمحبة . أن الادعاء أن ما فعلوه ضمن حرية الرأي هو ادعاء كاذب فبماذا ترد على صور مشينة منشورة ؟!! وما ردة فعلك أن كانت صورا مسيئة لأقدس مقدسات الإسلام،ينشرون صورا مسيئة لرسولنا الكريم الذي قال عنه رب العزة: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وهو نبي الرقي والفضيلة النبي الذي وصفه العزيز الكريم بقوله : ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث..) ولو كان الموضوع موضوع نقاش وحوار وجدال لا يتجنى فيه طرف على طرف ، لو ضعنا الموضوع ضمن حرية الرأي المزعومة، ولكن الصور المسيئة أثنتا عشرة طلقة طائشة تصيب مقدساتنا في الصميم ولا يمكن بعد نشرها أن يحدث جدال أو حديث لردها أو للتقليل من إساءتها . أن الذكرى العطرة التي حلت قبل أيام قليلة هي فرصة طيبة لعمل متواصل وانجاز على مختلف الأصعدة من قبل المسلمين أفرادا ومؤسسات ، جماعات وإعلاما لأجل التعريف بالرسول الكريم وتبيان صفته الخلقية(بفتح الخاء) والخلقية(بضم الخاء) وقراءة لسجاياه وشمائله الكريمة... رسول الله بأبي أنت وأمي يا أبا القاسم في ذكرى مولدك العطرة لا يسعنا إلا أن نردد ما مدحك به رب العزة الذي قال في محكم كتابه عنك :(فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي.)وقال رب العزة :(ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيرا. )وقال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .)وقال عنك رب العزة : ( إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، لتؤمنوا بالله ورسوله.). وسلام عليك يا رسول الله محمد يوم مولدك وسلام عليك حين تكون شفيعا للمؤمنين يوم يقوم الحساب ...
 • كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب faissalhassan@hotmail.com
منبر دنيا الوطن الوصلة أدناه :
http://pulpit.alwatanvoice.com/content-128263.html
أمنيات لم تتحقق...

عشاء الجنازة في بيت تاجر بصري في سنة 1914
قبل أن يموت جدي بفترة قصيرة كنت الوحيد الذي يلازمه طول الوقت، كأفضل صديق بالرغم من أن عمري وقتداك لم يتجاوز الثانية عشرة، و كنت أصغر أحفاده على الإطلاق؛ و أحفاده كثيرون موزعون على منطقة شاسعة بين الريف و المدينة! لم يكن كبيرا جدا في العمر عندما مات و لكنه دأب على تزويج أولاده و بناته في سن مبكرة، و ما أن ظهر أول صف من الشيب في مفرق رأسه حتى وجد عددا كبيرا من الأحفاد حوله، فكان يقول لأحدهم و هو يرفعه عن الأرض ليقبله: حبيبي حسين! فيرد عليه الصغير بتأتأة محببة: لا جدي..أنا علي!! و تختلط عليه أسماء الأحفاد بين سنة و أخرى فلا يفرق بين: محسن و عباس..بدرية و فاطمة، سعد و سعيد، و أسماء أخرى كثيرة، لكنه بقدرة قادر حفظ أسمي- ربما- لأن أبي و أنا كنا نعيش معه في البيت الكبير، فارتبطت به بصداقة حميمة، و كان بين الجد و الحفيد الكثير من الأسرار، التي لم يكن أحد غيرنا يعرفها، و قد كان عسكريا قبل أن يتقاعد. كان ذلك قبل زمن بعيد. كنت أعرف ان أصابعه ترتجف و لن يتمكن من رسم شيء مفيد في لوحة الرسم التي كنت أنوي رسمها، لكنه أعطاني المال اللازم لشراء الألوان الزيتية، و مع كل ما قمنا به و قلناه بشكل مشترك. كان بين الحين و الآخر يودعني رغباته و أمنياته و ما يخططه و يتمناه لجنازته بعد الموت! فقد كان يتمنى أن يكون المعزى الذي يقام له بعد الموت كبيرا، و تذبح فيه الذبائح السمينة، و يوزع اللحم المطبوخ على الناس بقطع كبيرة تملأ رغبات العيون قبل البطون، و تفيض عن الحاجة و تنفرج أسارير المعّزين عن ابتسامات راضية بحكمة الله، و قضائه، و يوزع فائض اللحم على الجيران، و أمنيته الثانية أن تمر جنازته عبر السوق الرئيسي لمدينتنا بشكل مهيب ليعرف المعارف و الغرباء أن ذلك المحارب القديم، الذي ساهم في معارك الوطن قد مات و يكتب على شاهدة قبره إنه أفنى عمره في الدفاع عن البلاد و مات معوزا، مريضا، دون أن تزيد الحكومة من راتبه التقاعدي الزهيد!! و طلب مني ان أكتب هذه الأمنيات و أحتفظ بالورقة لئلا أنساها ساعة وقوع المحظور، و قال و هو يخوص بعينيه الكليلتين و يحك ذقنه بأصابعه المرتجفة: ستعرضها على جدتك لتعرف الجدة ماذا تفعل في ذلك اليوم، و أرجو أن لا تقع جدتك في الغلط فتسيئ فهم أمنياتي!! و نظر إلى الأفق حزينا و اتبع ذلك بسعلة جافة، اعتقدت أنه سيغادر الحياة بعدها، لكنه استعاد أنفاسه و مرحه بعد لحظات، و ربت على رأسي بكفه المنكمشة، الباردة، و قال: لا تصدق إني سأموت قريبا، و سعال جاف لا يقتل محاربا صلبا مثلي!!
في صباح باكر استيقضت وأنا أسمع لغطا و بكاء جدتي و أمي و عماتي المتقطع، و عرفت بعدها أن جدي قد مات! أسرعت ألى جدتي و أعمامي الذين قضوا الليل إلى جواره بعد أن اشتد عليه المرض، و الدموع في عيني و أخبرتهم بكل أمنيات جدي حول جنازته، و قرأوا الورقة التي كتبتها له قبل شهور، لكن الجدة قالت متمتمة بغيرة عمياء و وجه متآمر، موضحة أهداف جدي السرية: أن هدف المرحوم من إمرار جنازته وسط السوق الكبير ليست سوى حيلة مكشوفة لي!! و لم تكشف الجدة حيلة المرحوم لأولادها!! لكنني سمعتها تهمس لعماتي: أن أباكم أراد أن تعرف-زاهية- بائعة القماش- بموته و هي التي أحبها، و أحبته في مطلع شبابهما، و لم يوافق في ذلك الوقت أبوه يرحمه الله على زواجه منها، لأنها تعمل في السوق مع الرجال!!
وقالت الجدة متالمة: أنظرن ما زال بعد هذا العمر الطويل الذي قضيته معه يريدها و حتى بعد ان مات إلى رحمة الله!!
ثم تابعت متحدثة: لكنني لن أمكنها من الإنتصار علي حتى و لو كان ما نتنازع عليه كهل ميت!!
و تركتْ عماتي و عادتْ إلى عمي الكبير بقسمات وجه صارم لا يقطعه السيف، و طلبت منه أن تمر الجنازة على طريق آخر لا يمر بالسوق و لم يكن ذلك الطريق سوى المرور بمزبلة المدينة الضخمة، و لا يمكن قطعها بشكل مستقيم لارتفاع حجم النفايات و اضطرار الموكب الجنائزي للدوران في طرق فرعية تتوغل داخل دوائر و أشكال هندسية غريبة وسط روائح كريهة، فسارت جنازة الجد إلى خلف بيوت المدينة، متحاشية المرور بالسوق و قلب المدينة و انحرفت بعد ذلك إلى اليمين، و دخلت في متاهات المزبلة، و كلما توغل الموكب في المزبلة تناقص عدد المشيعين، فبعضهم لم يحتمل الروائح الكريهة ففضل التلكؤ عن متابعة المسير، و انفض الجمع الكبير، و أخد الكثيرون ينظرون إلى جنازة جدي المحمولة على أكتاف أعمامي من بعيد، و خلفها جدتي تمشي برأس مرفوعة، و عماتي و هن يخمشن خدودهن، و رأيت فوق وجوه الناس المنفضين عن موكب اشباح ابتسامات ساخرة! و الشيء المفجع أن عددا من الكلاب التي أصابها الهزال و انتشر الجرب على جلودها ظهرت فجأة من الحفر و من بين أكوام النفايات، و هي تعوي كالذئاب و اندست بين الرجال الحاملين للجنازة، فارتفع صراخ النساء، و أخد الرجال يدافعون عن أنفسهم بأقدامهم لأن أيديهم كانت مشغولة بحمل التابوت! و تذكرت أن طيلة فترة صداقتي مع المرحوم جدي أنه كان يتشاءم من سلوك هذا الطريق البشع، لقد سارت ذلك اليوم الرياح بما لا يشتهي الجد!! و كنت أراقب التابوت الذي يرتفع و ينخفض و يوشك على السقوط إلى الأرض كلما استطاع كلب من النيل من أحد أعمامي إلا أنهم لم يسمحوا بسقوط التابوت على الأرض، كان سقوط الجنازة في المزبلة يعني عارا أبديا لأسرته و عشيرته! فاستقتل أعمامي لحمل التابوت فوق الرؤوس و ركل الكلاب التي تجرؤ على الإقتراب منهم في الوقت نفسه!! و قد احمرت وجوههم و امتلأت شعور رؤوسهم بالتراب و بالرغم من خوفي الشديد من الكلاب و قد كنت مع موكب النساء الذي يلي الجنازة إلا أنني كنت أرمي الكلاب المتوحشة بالحجارة التي أتمكن من إلتقاطها في الطريق، و في كل لحظة كنت أنتظر أن يرفع الجد رأسه من التابوت، و يزيح الملاءة القطنية المزركشة بخيوط الذهب عن وجهه الغاضب ليشتم جميع أولاده، و أخوته و يطلب منهم أن يتركوا هذا الطريق القذر و يرجعوا به إلى وسط المدينة ليعرف القاصي و الداني إنه مات، لكن الجد لم يرفع رأسه. كأنما أخيرا استسلم لما خططت له الجدة طوال حياتها بإصرار عجيب: أن يكون لها وحدها !! دائما و إلى الأبد حتى لو اضطرت و أولادها و أحفادها على التمرغ في كل نفايات العالم!!
- 3 -
بعد أن عدنا من دفن جدي قالت الجدة بوجه راض: أمنية جدك حول الذبائح
السمينة و قطع اللحم الكبير في صحون المعزين....هذا أمر سهل!
ثم أخدت تفتح صرة بعد أخرى، و تجمع نقود هذه الصرةإلى دنانير الصرة الأخرى، و تفتح صندوقها الخشبي المرصع بالقواقع و تستخرج من جوفه المظلم جورابا قديما ملأته بالدنانير المدعوكة، و أخد عمي يعيد مط الدنانير ليعطيها شكلها المحترم قبل أن يرصفها فوق بعضها البعض، و بعثت الجدة من يستطلع أسعار الذبائح المرتفعة جدا، و لكنه عاد لاهثا بعد وقت قصير ليخبرها عن أسعار الذبائح المرتفعة جدا، و عمليا بعد مقارنة الأسعار الجديدة بما جمعته الجدة و الأولاد، فقد صارت أمنية الجد مؤودة هي الأخرى!! فاشترى أعمامي بعد مداولات كثيرة و أخد ورد وسؤال و جواب عنزا، عنيدا، مسنا، فر ثلاث مرات منهم داخل السوق، و تسبب في هرج و مرج بالسوق، و استقتل بالدفاع عن نفسه بقرنيه حين رأى سكين الجزار تقترب من رقبته! وعند الذبح تعذب العنز المسكين كثيرا بسبب السكين التي لم تستطع حز رقبته العجفاء، المكرمشة كجذر شجرة معمرة بالسرعة المطلوبة! و أخد الجزار بعد الذبح يرتجف كأنما ارتكب جريمة و جلس على كرسي صغير يلف لنفسه سيجارة قبل أن يسلخ الذبيحة و يقطعها! و بعد الطبخ وزع اللحم على المعزين ، و لم يسد الحاجة كما كان متوقعا، و الناس بالرغم من جوعهم ورغبتهم باللحم تركوه لقسوته و مطاطيته، إذ لم تستطع النار الشديدة و لا كميات الخل التي دلقوها في القدر الكبير طهيه، و بقي في الصحون مثل جزر جرداء من المرق الأحمر، دون أن يمسوه، فقد رأوا غيرهم ممن حاولوا معه، فقفزت القطع المطاطية إلى مكان آخر من الصحون أو إلى الأرض و صار البحث عنها تحت الكراسي مستحيلا، و اكتفى المعزون من الوليمة بالمرق الأحمر و الرز، و بعدها قرأوا سورة الفاتحة على روح الميت هامسين وتحدثوا عن عقوق الأولاد في هذا الزمان السيء!
- 4-
أصرت الجدة على النقاش أن يحفر على الشاهدة التي ستثبت عند قبر الجد العبارة التي كتبتها لها على ورقة و فيها اسم جدي وتاريخ ولادته و وفاته و عبارة: أفنى عمره بالدفاع عن الوطن و مات معوزا مريضا!! و لكن النقاش أفهمها أن الأوامر مشددة عليهم من الحكومة أن يكتفوا بكتابة اسم المرحوم و سنه و آيات قرآنية و تاريخ وفاته و أن لا يزج بالأموات في القضايا السياسية!! فالسياسة من مشكلات الأحياء لا الأموات و بالرغم من أن العامل المسكين أظهر للجدة كومة كبيرة من الأوراق الرسمية المختومة من جهات عديدة، ليقنعها بضرورة الالتزام بما تريده الحكومة إلا أن العجوز لم تقتنع أبدا بوجهة نظره و أتهمته بالجبن و ممالئة الحكومة، و كان شعورها بتأنيب الضمير مؤلما لأنها لم تحقق للمرحوم أيا من أمنياته!! فدافعت عن طلبها بحرارة حتى اعتقد النقاش و الناس أن مسا من الجنون قد أصاب الجدة لفرط حزنها على زوجها الميت، و حين أخذ الرجل يبتسم من أفكارها و اتهاماتها الباطلة له، ثارت أكثر و هجمت عليه و عضته من طرف كفه و أبعدها الناس عنه بصعوبة، و قالت:
الكف التي تواطأت مع الحكومة و لم تنفذ رغبة زوجي من المفروض أن تعض
و أبعدها أولادها و الجيران عن الرجل، و لم تترك الجدة النقاش و شأنه إلا بعد أن وعدها أصدقاء المرحوم أنهم سيبذلون قصارى جهودهم مع النقاش لإقناعه بضرورة تنفيذ أمنية الجد الأخيرة..!
-5-
ذهبنا إلى قبر جدي في زيارة الأربعين بموكب عظيم. كانت عماتي يحملن فوق رؤوسهن قدور خبز التنور المحشو بالتمر المفرغ من النوى و المديوف بحبة الحلوى ، و السمسم و أورااق النعناع و من بعيد رأينا شاهدة قبر جدي الرخامية و كانت جدتي متحرقة لمعرفة ما صنع حفار الشواهد، و حالما وصلنا أخذتني إلى مكان قريب من الشاهدة و طلبت مني أن أقرأ ما نقش عليها و قبل أن تنزل من عينها دمعة واحدة على الراحل! و رحت أتهجى الكلمات بصعوبة، و بعد ان قرأت الإسم قرصتني من كتفي قائلة: لا تقرأ اسم جدك فأني أعرفه قبل أن تولد!! اقرأ ما بعد ذلك! و رحت أفكك لها العبارة الإضافية التي نقشت على الرخام بخط جميل: عاش و مات فقيرا و معوزا إلى مغفرة ربه و رضوانه... شعرت جدتي بالرضى و الراحة لتنفيذ رغبة المرحوم الأخيرة، لكنها قالت إنها غير راضية على النقاش لأنه لم يضف عبارة إنه كان مريضا طوال الوقت! و مع هذا النقص الواضح كانت راضية على النتيجة، و والدي الذي كان حاضرا و قريبا مني في تلك اللحظة همس بأذني أن النقاش لم يفعل شيئا ذا أهمية، و لم يخالف قوانين الحكومة، و ذلك لكوننا جميعا بما فينا الأغنياء فقراء و معوزين إلى مغفرة و رضوان ربنا تعالى...
* كاتب عراقي يقيم بالمغرب
faisal.hasan@menara.ma أيميل
لماذا قتل الأخ الأكبر كل أولئك الكتاب والفنانين؟
فيصل عبد الحسن
 (1) الأخ الأكبر ـ حسب رواية الروائي جورج أور ويول (أسم مستعار لإريك بلير) الكاتب البريطاني المعروف في روايته المشهورة 1984 ـ هو الذي يراقب كل شيء تقوم به ويحاسب علي كل شيء لا يروقه ويدير الدولة بيد من حديد ولا تأخذه بالناس شفقة ولا رحمة في دكتاتورية مطلقة كأنما كان الروائي الانكليزي يتحدث عن بعض أنظمتنا العربية الحالية، وأخيرا نالت رواية (1984) التي كتبها الروائي البريطاني الراحل جورج أور ويل جائزة أفضل رواية تكتب في عقد الأربعينات من القرن الماضي والتي عبر فيها الكاتب عن نبوءة سياسية في غاية الأهمية وذلك خلال استفتاء أجرته احدي أكبر الصحف البريطانية قبل فترة قصيرة. لنا أن نتساءل ماذا تحوي أرشيفات الدول الدكتاتورية عن أدبائها المتمردين ومثقفيها؟ وبماذا يصاب من يطلع علي تلك الملفات؟.. الهلع والغضب.. وهل يكفي هذا؟!.. يصفر وجهه أمام تقارير الواشين وشكوك الشكاكين، وهل يكفي هذا؟! ترتجف أصابعه وهو يقرأ أوامر الإعدامات بحقهم، يصاب بالسعار فيعض أيدي رجال الأمن ويمزق صمت مكاتبهم بعويله العالي؟ ماذا يفعل الكاتب بعد أن تهوي تلك الأنظمة ويجد نفسه يبحث عن هذه الرواية السياسية التي يراها الكثيرون عبارة عن تنبؤ بأحداث انهيار جدار برلين وتفكك الإتحاد السوفييتي، رأيناها تتعدي معاداة الشيوعية وتتشبث في نبوءاتها بجميع أنواع السلطات بما فيها مدعي الحرية والاشتراكية وإعلامها المزيف الذي يقلب الحقائق لتتماشي مع مصلحة السلطة في وطننا العربي. وكان الكاتب قد نشر روايته (1984) بعد أعوام من انتهاء الحرب العالمية الثانية وصدرت عام 1948 حيث تناول فيها شخصية مواطن يعيش في نظام شمولي يقوم يوميا ذلك النظام الشمولي بسحق الإنسان ومصادرة حرياته ووضعه تحت رقابة الكترونية علي مدار الساعة تتابع حركاته وما يقوله. كما يتناول الكاتب في روايته هذه أيضا فكرة قيام الأنظمة الدكتاتورية بمحاولة سرقة ثقافة الشعوب ولغاتها وإفراغها من بناها الإنسانية بما يخدم أهدافها، فضلا عن رفع شعارات متناقضة مثل الحرب من أجل السلام ! .. الكاتب الذي أقدم علي كتابة رواية 1984 في أربعينيات القرن العشرين، كأنه كان يعيش معنا في زمن غير زمنه وهذه حقيقة الإبداع، أنه في جوهره الكلي استقراء لأذواق وأعراف وأفكار ستولد فيما بعد. والرواية تتحدث عن سلطة الأخ الأكبر الذي يمثل الحزب الحاكم وأعوانه وعن شتي أنواع التعذيب والقمع اللذين سيتعرض لهما المواطن في تلك الحياة المرصودة بأجهزة الأخ الأكبر الذي يترصد كل حركاتك، همزاتك ولمزاتك، ليس هناك مكان تستمتع بحريتك فيه إلا تلك السنتيمترات المربعة داخل رأسك، وحتي تلك يمكنهم أن يترصدوها من خلال تعبير وجهك! نعم فعندما ينهار نظام دكتاتوري وينبش النباشون في أرفف المخابرات والأمن الخاص، ومديريات الأمن العامة، سيكتشفون غرائب لا يمكن تصديقها لأول وهلة: زوج يكتب عن زوجته التقارير اليومية طيلة عقود وقد حدث هذا في ألمانيا الشرقية حين انهارت، وهي فترة زواجهما، وذات الزوجة كانت تكتب عن زوجها أيضاً.. وهي مفارقة صنعها النظام الدكتاتوري ذاك وغذاها عبر أسوأ ما في الإنسان من غرائز.. ونتخيل رجل الأمن، أو الرفيق الحزبي، الذي يقرأ ما يكتبه المدرس عن تلاميذه، أو ما يكتبه الطلاب عن أستاذهم، وما تكتبه الزوجة عن زوجها، وما يكتبه الزوج عن زوجته، دون أن يعرف الجميع ما يفعله الجميع.. وأولئك الرجال الجالسون ببرود إلي مكاتبهم وأمامهم التقارير التي تصل بشكل يومي، يدونون ملاحظاتهم لمرؤوسيهم عما يلفت أنظارهم في التقارير المقدمة لهم.. إذن لا فرق بين أرشيف المواطنين العاديين في الأنظمة الشمولية المطلقة، وأرشيفات أدباء وكتاب البلاد! هؤلاء الذين يضيفون لأممهم عمقاً معرفياً أمام الأمم الأخري، ونتساءل هنا: من يعرف كولومبيا لولا ما كتبه عنها ماركيز؟ ومن يعرف نيجيريا لولا سوينكا؟ ومن يذكر البرتغال غير أنها أفقر دولة أوربية لولا ساراماغو؟ ومن يعرف مأساة الجنوب الأمريكي في الثلاثينات لو لم يكتب عنها وليم فولكنر؟!. (2) قبل أيام قليلة قرأت في شبكة الإنترنت قائمة أعدها الناقد العراقي ياسين النصير لكتّاب وفنانين عراقيين اعدموا في عهد صدام حسين وكان بين أولئك المعدومين كاتب مسرحي من أصدقاء طفولتي وشبابي حين كنا نعيش في البصرة جنوب العراق: انه الفنان سامي زبون، وكانت قد انقطعت عني أخباره منذ كنت في العراق وقد انتقلنا للعيش في بغداد في التسعينات وقد ظننت وقتها انه انقطع عن الإخراج المسرحي والتمثيل والكتابة وصار مقاولا في البناء أو مجرد دون جوان في أحد الدول الأوروبية وحقق ذاته مما كان ينقصه في بلاده، وتحقيق الذات في أوروبا له وجوه كثيرة وأحدها غلق باب الشقة والنوم حتي الضحي، والسكر حتي الثمالة مساء، والكتابة غير المنتجة الغائصة في هموم الذات ولوك آلام الماضي والبحث في المناسبات عن أنثي أو شتم غيره من خلال جهاز الهاتف أو الرسائل التي يدبجها ويرسلها لهذا وذاك من الناس منتظرا أن يهتم به من أرسل له ويجيبه بالسرعة نفسها، كما لو كان الجميع مثله يعيشون علي نفقة صندوق المنحة التي تصرف للعاطلين في أوروبا وأن خبزهم سهل، وشربهم سهل، وكرامتهم غير محفوظة ككرامته ولديهم الوقت الفائض ليجيبوا رسائل حضرته بالسرعة المطلوبة، ويبدو انه لم يكن من أولئك بل قضي هذا الفنان المجد الحقيقي، الصادق مع نفسه كل هذه السنوات العديدة منذ فارقته مع أهله في البصرة، مجرد فكرة طيبة عن الحرية والانعتاق عن عبودية السلطة في وطننا العربي ورموزها ومتطلباتها التي لا تنتهي من الفنانين والكتاب في محاولة دؤوبة لتتفيههم وجعلهم أرقاما في سجلاتها. قضي هذا الكاتب الفنان تلك السنوات في مقبرة صغيرة، وقد كان صادقا وأمينا مع نفسه وفنه، وغيره ممن بقوا أحياء كانوا يعيشون فوق أرض المقبرة وكانوا يحسدونه علي مكانه الكريم، وراحته الأبدية، ودوره الذي مثله بجدارة قبل أن يغادر. لم يكن في القائمة وحده ممن أعرفهم بل كنت أعرف أغلب من أعدموا معرفة شخصية، ولي مع كل واحد منهم ذكريات وذكريات، ولكنه الوحيد الذي عرفت بإعدامه من خلال هذه القائمة. أتذكر أن أجمل بنات حي الأصمعي الذي كنا نسكنه معا في مدينة البصرة كانت تذوب عشقا بهذا الفنان، كان وسيما، مهذبا، سريع النكتة، عندما كان يمثل مرة علي خشبة المسرح دور عطيل، وكان فاتح السمرة مما اضطر المخرج أن يطلب منه وضع الصبغ الأسود فرفض عارضا علي المخرج أنه سيخلق عند الجمهور الانطباع بأنه أسود وفعلا استطاع أن يخلق ذلك الانطباع ولن أنسي بياض عينيه وهو يخنق ديدمونة بطلة المسرحية بعد أن زرع أياغو في قلبه الشك، سامي زبون الذي كان يكتب لنا المسرحيات الشعبية لنمثلها علي مسرح المدرسة والذي شارك بإخراج أول مسرحية كتبتها للمسرح: أطرش بالزفة! في السبعينات، الذي كان يفتح غرفته الطويلة والعريضة كمضيفة لأصدقائه من كل أنحاء العراق وكانت نقاشاتنا حول ماركوزة وأفكاره حول الثورة والثورة المضادة والوجود والعدم لجان بول سارتر ومسرحياته التي لا تنسي: الأيدي القذرة والجدار.. نقاشات تطول وتطول و تستمر مرات كثيرة حتي آخر الليل فيهلكنا التعب والكسل فنقضي ليلنا نائمين في غرفته بعد أن يزود كل واحد منا ببطانية ومخدة ويطلب ممن يقرر الذهاب إلي المنزل أن يغلق باب الدار وراءه ويقول متثائبا تصبحون علي خير، وعندما يصبح الصباح تهل علينا أمه حاملة لنا فطور الصباح، البيض المقلي وقيمر العرب وخبز التنور، الوحيد الذي يرفض الفطور هو ابنها.. الذي يصرخ بوجوهنا مجانين أنتم تستيقظون صباح الجمعة بهذا الوقت المبكر!! فيفطر كل واحد منا ويغادر إلي مبتغاه وحين يقلق الأهل علي غياب أحدنا يسألون أهل سامي زبون ليعرفوا أسباب غياب ابنهم! لا أتذكر أن سامي زبون قد تكلم في السياسة يوما أو طلب من احد أن ينتمي إلي هذا الحزب أو ذاك، وكان حين يسمع نقاش متخاصمين حول السياسة أو الأفكار السياسية يضحك. ويحرك أصابعه بسرية للباقين مشيرا إلي جنون المتحاورين وقلة عقليهما، موضحا أنه يرحب بحوار مع الحبيبة حول أدوات الماكياج حتي الصباح بدلا من حوار في السياسة بين متخاصمين جائعين من أمثالنا.. فهل كان سامي زبون ضحية فرية وتقرير كاذب إلي السلطات؟ أم كان مجرد شهيد لما آمن به من أفكار حول حرية الإنسان وضرورة عدم خضوعه لأية سلطة غاشمة؟! هل كان ضحية الوجود والعدم الذي تخلي عنه سارتر فيما بعد؟ أم ضحية صاحب الثورة الفوضوية ماركوزة؟ أو ضحية أفكار روجيه غارودي وواقعيته التي بلا ضفاف؟! أو ضحية أفكار لينين وماركس وأنجلز وثورة البروليتاريا التي تخلي عنها فيما بعد الجميع؟! هل هو ضحية نظام صدام حسين الذي كان يريد أن يصير جميع العراقيين والعرب سواسية في أفكارهم كأسنان المشط ليبقي هو وعشيرته في السلطة لأطول وقت ممكن فضيع السلطة والعراق وخلخل أمن الوطن العربي ولم تفد دماء سامي زبون المسكوبة جزافا في حفظ حياته والوطن من الاحتلال وكم يوما أضاف إعدامه لسني حكم النظام السابق للعراق؟!! ماكنت اعلم أن بعد كل هذه السنوات سأذكر ذلك الفتي الضاحك، صاحب أجمل ابتسامة وعاشق أجمل فتاة في حينا، الذي يكتب لها رسائله بماء الورد المخلوط بالمداد، التي رفضت من أجله أغنياء كويتيين كانوا يحطون في مدينتنا كل خميس ليخطفوا هذه الجميلة أو تلك بأموال النفط وبوثائق زواج ممهورة بالقهر والفقر وقلة الحيلة. (3) ليس لي إلا أن أكتب بمداد قلبي ما رأيت وما انتابتني من أفكار وما شعرت به من هواجس وسط العتمة والتاريخ والوجوه المأزومة وأنا اقرأ ذلك البيان الناقص الذي لم يذكر سبب كل ذلك النزيف ولماذا قتل الأخ الأكبر كل أولئك الأحباب من الكتاب والفنانين؟!.. وما يحدث اليوم في العراق المحتل من قتل متعمد أيضا لكتابه وفنانيه وصحفييه وعلمائه تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها المسؤولية الجنائية والأخلاقية لقتلهم لأنها دولة محتلة ويحملهم المجتمع الدولي وفق قرارات الأمم المتحدة كل المسؤولية القانونية والأخلاقية لحفظ الأمن وحماية المواطنين العراقيين الواقعين تحت الاحتلال، ويبدو أن ما يحصل اليوم لكتابه وفنانيه هي حلقة من حلقات سابقة عاني منها هذا الشعب الخلاق، وعانت منها مواهب هذا الشعب العظيم، ولكن الأم العراقية العظيمة، الولادة ستبقي تنجب أمثال سامي زبون، وسامي غياض، وحسن مطلك، وخليل داخل نجم، وحاكم محمد حسين، وضرغام هاشم وعشرات من الكتاب والفنانين المبدعين الذين قضوا شهداء في وطن الأحرار، علي أرض الرافدين ومن صميم شعبها الشجاع... أسوق هذه الكلمات الممهورة بالحزن العراقي القديم لأتحدث عن مأساة في غاية القدم؛ وهي ماذا يحدث للكاتب حين يقف بوجه الحاكم الظالم! ببساطة يعمد الحاكم الظالم إلي محو الجزء الحي من الكاتب، الذي نراه يتحرك ويأكل ويشرب وينام ويتألم ويتحدث، لكن هذا المحو الشكلي ـ البدني ـ للكاتب يتيح له أن يوجد في أذهان الناس كفكرة عظيمة محركة، ونامية، وكلما أوغلت جريمة قتل الكاتب في الزمن، واعتقد القاتل أن الموضوع نُسي إلي الأبد، انتشر خبره! وازداد عدد رواته! وقوي تأثيره، وصار سبباً في نهاية الظالم ونموذجه!! فقتل الكاتب سيكون خدمة جليلة يقدمها الظالم لفكرة وجود الكاتب الأزلي، فالإنسان مهما طال عمره فهو مشروع موت واندثار تام إلا الكاتب الشهيد، والثائر الشهيد، الذي هو بشكل ما يسجل باستشهاده كتاباً دائماً تتلو خبره الأجيال، فهو كاتب أيضاً سجل بدمه أسمي الكلمات وأنقاها وأكثرها فهماً من الناس وشوقاً لتعليمها للقادمين من أبناء حواء وآدم!!
لا أعطيك ولا أحب رحمة الله تأتيك !!!

دار السيد مهجومة !!! في الأهالي العراقية 16/7/2008
حمير وبخير !!! المنارة العراقية 20/7/2008

أعمامي اللصوص ....
أعمامي اللصوص فيصل عبد الحسن* -1- 
اعتادت
جدتي أن تدعو الله مخلصة أن يحفظ أعمامي أثناء خروجهم ليلا لسرقة حلال المعدان * : ذهب وفضة نسائهم ، أبقارهم وجاموساتهم إذا لم يتوفر كل ذلك بسبب فقر صاحب الدار يعمدون إلى سرقة خرافه و معزاته ، وإذا لم يتوفر لهم ذلك سرقوا أي شيء من داره : القدور ، صحاف الأكل ، أسمال العائلة ، لئلا يقال إنهم غزوا وبسبب خوفهم من أن يثيروا الانتباه إليهم لم يغنموا شيئا .. جدتي أطال الله عمرها تعتقد إن المعدان من المشركين الكفار ، وسرقة حلالهم و اجب يوجبه الدين و تبيحه شرائع الملة ، وهي مفاهيم ليست صحيحة لا نعرف مِنْ مَنْ توارثها أهلنا ؟ و كان منظرها مضحكا ، وكلامها متناقضاً ، فهي تدعو الله تعالى رافعة يديها إلى السماء بخشوع عميق طيلة وقت خروج أعمامي في الهزيع الأخير من الليل لسرقة بيوت الناس ، طالبة من الله أن تتيه رصاصات المعدّان ، المتتبعة أولادها وتخطأ أهدافها ، وتسقط في التراب ولا تصيبهم ، فهم شغاف قلبها وزهرة عمرها ، وعند عودتهم فجرا سالمين ، غانمين ، تطلب منهم إن صادف خروجهم ليلة الخميس على الجمعة ، أن يستحموا في الصباح الباكر ، ويرتدوا أفخر ملابسهم ، ليتقدموا الصفوف في صلاة الجمعة ، وقد أنهوا أسبوعهم بما يرفع الرأس : سرقة بيوت المعدان و حلاقة شواربهم ، و فضح جبنهم أمام نسائهم ، وعند المساء يحكي كل واحد منهم قصة عما فعله في قرية المعدان في الليلة السابقة من أفعال بطولية ، وجد ي يردد على مسمعي وأنا اكتب كل ذلك ، ومع كل هذه البطولة التي تسمعها من أفواههم فان أعمامك لصوص إلى حد ما ، ويقهقه ضاحكا ، وتعلو ضحكات الأهل وسط دخان المواقد والمطال **يشتعل فيها بنار زرقاء ، ورائحة قهوة مركزة تنتشر في الهواء ، وزفير بخار كتلي الشاي وهو يرفع الغطاء بصوت مسموع ، وارتعاش شعلة فانوس النفط في مضيف جدي الواسع تعيد تكبير ظلال الأشخاص و بعد ذلك تصغرها على جدار القصب عدة مرات ، وتقص جدتي التي توسطت جلسة العائلة ، قصة يكركر الجميع بسبها ضاحكين . - 2- تقول جدتي في قصتها ، أن أحد أجدادنا في ليلة من ليالي الشتاء مضى ليسرق فرس أحد المعدان و قد اشتهرت بعدوها السريع وأصالة نسبها فدخل بيت المعيدي في غفلة من عبيده وأهله عند الغروب ، واختفى بين الأغطية و الوسائد ، وكان ينصت لزوجة المعيدي و هي تعد طعام العشاء و زوجها يستعجلها بسبب جوعه الشديد ، وأخذ الجد المختفي بين الوسائد والأفرشة يشم رائحة الطعام الزكية ، فأخذ شعوره بالجوع يزداد كل لحظة ، و قرر في نفسه أن يأكل مع المعيدي و زوجته عندما يحضر الطعام مهما كلفه ذلك الأمر من المخاطر ، وأخذ ينتظر الفرصة المناسبة ، وقد جاءت سريعا من غير أن يتوقع ، فحالما أكملت زوجت المعيدي طهي الطعام أطفأت موقد النار فعمّ الظلام في الغرفة ، ووضعت الطعام في قصعة ليبرد أمام زوجها، يقول الجد في القصة : انه انسل من مخبئه بهدوء ، وجلس بينهما ليشاركهما قصعة الطعام ... فشعر المعيدي بأنفاس غريبة تتردد بينه وبين زوجته ، فحبس شكوكه ، وحالما امتدت يد جدي بتناول الطعام أمسك بها المعيدي و سأل ، من أنت ؟ يقول الجد انه عمد إلى حيلة بارعة للخلاص من هذا المأزق ، فأمسك بيده الأخرى يد زوجة المعيدي ، فصاحت على زوجها ، ماذا بك؟ أترك يدي لأكل ، لماذا أمسكت يدي ؟!! فترك المعيدي يد جدي ، وقد ظن انه قابض على يد امرأته ، وجدي بدوره ترك يد زوجة المعيدي وهكذا انطلت الحيلة على المعيدي وزوجته . و علا الضحك في المضيف لبضعة ثوان ثم أكملت الجدة بصوتها الجهوري : - و بقي الجد يأكل معهما وحين نفد الطعام بسرعة ، قال المعيدي لزوجته ... - لم نشبع ، أجل لم نشبع ، هل قللت من طعامنا يا امرأة ؟ !! و هنا تعالى ضحك أعمامي من جديد ، فانتظرت الجدة حتى هدأ الضحك ، و أكملت ، فأجابت زوجة المعيدي : - عملت طعاما يشبع اثنين ، فتعوذ المعيدي من الشيطان الرجيم بصوت مسموع ، ثم قال : - لقد أكل معنا الشيطان ... فحبس الجد وهو بين الوسائد ضحكة مدوية كاد يطلقها لما قاله عنه المعيدي تكشف مكانه ، فيضيع منه الفرس ، فتعوذ من الشيطان في قلبه و حبس ضحكته بصعوبة شديدة ، و ما ان نام المعيدي و بدأ يشخر بصوت عال ، حتى تركت زوجته الفراش إلى أحد عبيد زوجها في فناء البيت ، يقول الجد انه شعر بفراسة اللص التي يراهن عليها دائما أن ذلك الوقت كان هو الوقت الملائم لسرقة الفرس ، فترك مخبأه وتوجه إالى مربط الفرس في الفناء و حل حبله و امتطاه و فر به ، فشعر المعيدي بسرقة الفرس من حمحمته ، و صهيله ، فتبعه مفزوعاً ، حافياً ، و بيده سيفه ، فتعثر بالعبد و زوجته بذاك الوضع المخزي ، فقتل العبد بالسيف بضربة واحدة شجت رٍأسه ، و هربت منه امرأته عارية ، فرمى عليها يمين الطلاق ، و تبع جدي راكضاً مع عدد من أفراد عشيرته ، الذين استيقظوا من نومهم مرعوبين ، و عندما انتاب المعيدي اليأس من اللحاق بسارقه صرخ عليه في جوف الليل ... - لا بارك الله فيك ، لم يفعل بنا لص ما فعلته ، فضحتني في عشيرتي و قتلت عبدي ، وطلقت زوجتي ، و سرقت فرسي ، و أكلت عشائي ... وتعالت ضحكات أعمامي في جوف الليل مما فعله جدنا من قديم الزمان بذلك المسكين ... -3- ثم يقص عمي الأوسط عن شبكة جواسيسهم ، التي توصف بأنها من أعقد الشبكات وأكثرها مهارة في التخفي ، ودقة في المعلومات التي تأتي بها عن حركات المعدان و استقراء نواياهم ، قبل أن تتحول إلى أفعال إلى حد أنهم في أحد الأيام عرفوا أن أحد المعدان ترك قريته ليبيع عددا من الجاموسات ، فتبعه ثلاثة من أعمامي و معهم حبل ليف و ضعوه في كيس ، وتبعوه إلى السوق و انتظروه حتى باع الجاموسات بألف دينار ، ووضع ماله في كيس من القماش ، و بعد أن أكل وجبة ثقيلة من الكباب الدسم في المطعم على عادة المعدان وأهل الريف عامة بعد أن يكملوا صفقة رابحة في المدينة و صلى صلاة الظهر في الجامع ، و بقي في الجامع ينتظر أن تميل الشمس قليلا و تخفت حدة ما ترسله من شواظ حارقة ، و بفعل حرارة الجو و الجهد الذي بذله منذ الصباح الباكر ، و أكلة الكباب الدسمة التي أكلها بدأ يغمض عينيه ويحاول فتحهما بصعوبة ثم قرر أن يغفو قليلا ، ووضع كيس المال تحت رأسه ، و أغفى قليلا و فتح عينيه على يد عمي الأصغر و هي تسحب كيس المال من تحت رأسه حاول اللحاق بعمي الذي أخذ الكيس و ركض إلى خارج الجامع إلا أن المعيدي وجد حبلا يزيد طوله على خمسة أمتار قد ربط بإحدى قدميه ونهايته ربطت بحافظة أحذية المصلين التي بدورها تم تثبيتها إلى الجدار ، و حاول المسكين حل العقد الكثيرة حول قدمه و عندما انتابه اليأس من فكها ركض باتجاه الطرف الآخر للحبل المربوط بحافظة الأحذية ، فوجد أن فك عقدته أيسر من فك العقد الكثيرة عند قدمه ، لذلك شرع بفك الحبل عند الحافظة ، و هنا ضحك عمي عميقا ، و قال هازاً رأسه كأنما يكشف سراً خطيراً .. - حيلة بارعة اقترحها أخونا الأصغر و نفذناها عليه على أمل أن يبقى الحبل الذي يزيد طوله على خمسة أمتار مشدودا عند قدمه ، فيستطيع حل عقدة الطرف الأخر بيسر ، ولأنه سيكون مستعجلاً للحاق بالذي سرق ماله ، فانه سيضطر إلى حمل الحبل بين يديه ، و عند باب الجامع سيصيح عمي الثاني ، الذي بقي ينتظر خروج المعيدي مستصرخا أهل السوق بأن المعيدي لص فر من سجنه، وما إن ينظر الناس هيئته والحبل المربوط عند قدمه وبقيته بين يديه حتى يصدقوا نداء عمي ، و ذلك ما حصل فعلا ، فقد صدق الناس نداء عمي و أخذوا يضربون المعيدي ضربا مبرحاً لن ينساه طوال حياته ، و ترك عمي المشهد عند ذلك الحد يلحق بأخوية ، و أقتاد الناس المعيدي إلى أقرب مركز شرطة و الرجل يكاد أن يفقد وعيه لهول ما عاناه ، ووجدت الشرطة أن تسلمه إلى محكمة عسكرية لأنهم وجدوا انه تخلف عن أداء الخدمة العسكرية ، وبعد توقيف طويل في مقر الانضباط العسكري حكمت عليه المحكمة العسكرية بالسجن ثلاث سنوات ، و في السجن المركزي زاره أقاربه ، فرفع الرجل يديه إلى السماء و أنتحب باكيا ، و قال اللازمة ذاتها التي يقولها راوي القصة من أعمامي في الختام دائما : - نعم يا إخوان لم يفعل بي لص ما فعله ذلك الملعون .. سرق مالي أمام عيني ، و رماني في السجن لثلاث سنوات غير الضرب الذي نلته في السوق .. لن أنسى وجهه ما حييت ، لا بارك الله فيه إلى يوم الدين .. - 4 - وبعد هذه القصة ازداد ضحك أعمامي و لغطهم ، و تعالى سعال المسنين المكتوم بسبب أدخنة لفافات التبغ وحرق المطال ،انشغلت - أنا ابن أخيهم - بكتابة أخبارهم و نوادرهم على ضوء فانوس في غرفة قصب ملحقة بالمضيف على أمل أن أنشرها عندما أكبر بكتاب يضحك الملل والنحل مما فعلوا ويطهرهم أيضا من ذنوبهم ، فقد ثقلت موازينهم بالجرائم ، وصاروا وحوشا بشرية ... نعم وحوش بشرية ضاحكة من ألا م الناس و مصائبهم ، و أتذكر إنني سألت عمي عن ذلك المعيدي ، الذي سرقوا ماله و تسببوا بسجنه ، فقال لي: - نسمح لك بسؤال واحد فقط ! فقلت نعم ، موافق على شرطك ، قال : ما هو سؤالك ؟! قلت : أخبروني كيف تم لكم ربط قدم ذلك المعيدي النائم بالحبل وسط المسجد دون أن يعترضكم معترض ؟! فقال عمي : أقمنا حوله سترا عن الناس!! فسألت : و من أين أتيتم بالستر ، و هو لم يظهر في القصة ؟ ! فضحك عمي ، و قال هازئا من جهلي : - لقد اتفقنا على سؤال واحد فقط ! وهذا سؤال ثان !! وعلينا أن تنفق عليه ! وتعالى الضحك في المضيف من سذاجتي وطيبتي الزائدة ، فأخذت أوراقي وانصرفت وفي نيتي أن أختتم قصتي بلازمة تخصني أيضا استقيتها من قول جدي يرحمه الله في آخر أيامه في هذه الفانية : أن أعمامك لصوص إلى حد ما !! وحتى هذه اللحظة لم أفهم ما قصد جدي بعبارة إلى حد ما ، فاللص كما اعرف هو اللص ، ولا اعتقد أن هناك لصاً إلى حد ما !! كأنني به يقول : هذا ميت إلى حد ما !! أو هذه حبلى إلى حد ما !! رحم الله جدي لقد كان منافقاً كبيراً وغفر الله لأعمامي لقد كانوا لصوصاً محترفين تركوا آثارهم المؤذية في سيرة حياة ضحاياهم ! هوامش *المعدان : سكان منطقة الأهوار في جنوب العراق وتعود أصولهم إلى السومريين سكان البلاد الأصليين وهم يعيشون على صيد الأسماك وتربية الحيوانات ومنها الجاموس . ** المطّال : دمن الحيوانات المجفف ويستخدم في الريف العراقي وفي منطقة الأهوار بالذات كوقود للطهي والتدفئة . * الكاتب عراقي يقيم بالمغرب / الاسم الثلاثي : فيصل عبد الحسن
faissalhassan@maktoob.com أيميل
فيصل عبد الحسن : تناولت في "أعمامي اللصوص" تقنية حديثة لإعادة الروح للتراث العربي...
أجرى الحوار : محمد مفتوح*



الكاتب فيصل عبد الحسن ، الذي جاء من جنوب العراق ومن البصرة تحديدا، جعله هذا يتمكن أكثر من كتابة النص الأدبي المعبر عن أجواء جنوبية صميمية واستطاع أن ينقل إلينا جانبا من معاناته في ذلك الجنوب الذي بقي على صفيح ساخن طيلة أربعة عقود ، إذ لا يعجز الكاتب أن ينتقل بالقارئ في قصصه ورواياته من حد الجد إلى حد السخرية وبمراوحة ذكية تجعلنا نستذكر التراث العربي بعمقه وأصالته وعفويته ويجعل القارئ مشدودا إلى تفصيلات النص الأدبي ملحا على متابعة ما يقرأ له من قصة أو رواية أو مقالة نقدية اغتنمنا فرصة وجوده في مهرجان الدار البيضاء لجماعة ألفين ومائة الثقافية لنجري معه هذا الحوار :
• صدر للروائي والقاص "الليل والنهار" رواية عام 1985 "فردوس مغلق" رواية عام 1986 نشرت في أحد أعداد مجلة الطليعة الأدبية ، "أقصى الجنوب" رواية عام 1989 – بغداد ورواية "عراقيون أجناب" عام 1999 في الرباط ، وثلاث مجموعات قصصية : "العروس" بغداد 1986 ، "ربيع كاذب" 1987 بغداد ، وترجمت العديد من قصصه إلى الإنجليزية والفرنسية والروسية..
? حدثنا عن قصصك القصيرة وكيف تختار مناخاتها ؟
- "أعمامي اللصوص" تضم قصصا كتبتها على مدى عقد من السنوات تقريبا ، بدأت بأول قصة منها أوائل عام 1992 وانتهيت من كتابة آخر قصة نهاية عام 2002 ، لذلك جاءت القصص متنوعة تضم بين قصصها ما يتحدث عن جيل جديد لقطاع الطرق في العراق ظهروا خلال سنوات الحصار والاحتلال – تم احتلال الجزء الغربي من العراق 1991 من قبل قوات تحرير الكويت لفترة عام كامل قبل الاحتلال الكامل لتربة العراق الطاهرة عام 2003 من قبل أمريكا وبريطانيا وحلفائهما - وعن انتشار أفكار حديثة حول اللصوصية واللؤم والبخل وطرقها ، وقد أفلحت تلك المدارس بظهور تلك المجاميع من الذئاب البشرية التي أفلحت بسرقة كل مرافق الدولة بعد سقوط هذه الأخيرة عام 2003 ، وقد تحدثت في قصص أخرى تحكي عن ناس شرفاء تصوفوا في حياتهم بفعل سنوات الحصار والحروب القاسية التي مرت على العراق فوجدوا في الموت ضالتهم وسعادتهم ولسان حالهم يقول :
يا خاطبا الدنيا إلى نفسه إن لها في كل يوم خليل
ما أقبح الدنيا لخاطبـهـا تقتلهم عمدا قتيلا قتيـل
لقد أشار الناقد د. عبد الواحد سفيان في جريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية متحدثا عن مجموعتي مشيرا إلى أن قصصها تذكرنا بالطرفة العربية التي تقول ، إن رجلا يكره جاره فلما رأى جنازته تمر من أمامه ، قال ، الحمد لله الرجل المناسب في المكان المناسب.. فقد جاءت هذه القصص في وقتها لتعرية المجتمع العربي – والكلام للناقد – ونقد الظواهر السلبية في الشخصية العراقية ، ولكننا عندما نقرأ القصص لا نشعر بأن رسالة أخلاقية يريد المؤلف توصيلها لنا ، بل هو فنان يريد أن يضحك على أخطائنا ويشركنا معه في حفلة الضحك – انتهى كلام الناقد- وهنا أقول نعم ، لا أنكر أني حاولت في كل قصة استقراء ما جاء في الأثر أن الله تعالى ، قال للروح حين أمره أن يدخل جسد آدم وهو فخار ، فهاب الروح وارتجف جزعا ، فآمر الجليل : أدخل كرها واخرج كرها.. هكذا أحاول كتابة القصة أدخلها كرها وأخرج منها كرها ، وأثناء ذلك أحاول أن أبرز مهارتي في السخرية من أوضاع الحياة المختلفة في بلدي على الخصوص ، ويبدو أن أطروحاتي في قصصي لها سند حقيقي فيما نراه يحدث في عراقنا الجريح للأسف .
? أذن ما الفرق بين قصة وأخرى من قصصك ؟
- نعم ، كل قصصي في هذه المجموعة مشكلة لتبعث أسئلة إلى ذهن القارئ عن حقيقة الوجود والعذاب الإنساني ، مهازل الحياة ومأساة النظر إلى المعتقدات المختلفة بأفكار محددة سلفا ونعتقد أنها وحدها الصحيحة وفي كل الظروف وإلى الأبد ، وفي حقيقة الأمر لا شيء صحيح إلى الأبد أستثني من ذلك كلام الله تعالى .. ومن العار أن القيم في مجتمعاتنا تعامل كأشياء محفوظة في الثلاجات وحينما يأتي الوقت المناسب لتحويل هذه القيم لفوائد مادية نجنيها أو لدفع خسارة عنا وعندها فقط تستخرج هذه القيم والأخلاق من الثلاجة لتوضع على النار لتقديمها بعد ذلك للناس كوجبة غذائية ساخنة… لقد عالجت في قصصي في مجموعة أعمامي اللصوص : العين ، المضحكة ، في ظهيرة قائظة ، لغة العيون الخائنة ، هذه المفارقات ، ففي قصة العين: لص يشعر بالاشمئزاز مما يقوم به وتنتابه مشاعر العطف على ضحاياه حد البكاء عليهم ، ولكن عندما يجد الجد فإنه يسرقهم ويتركهم في العراء بلا رحمة ! ! وفي قصة المضحكة يصير الضحك علاجا لمشكلات سياسية وفلسفية وهذا ليس غريبا على الواقع العراقي.
? ألا تشرح لنا ذلك ؟
- أتذكر إني عندما كنت طالبا في كلية الهندسة ، كنت قد حددت موعدا ثابتا في كل يوم لأمر فيه على بيت أحد الأصدقاء الظرفاء في مدينة البصرة القديمة لنضحك مدة ساعة ، وكان صديقي هذا ينتظرني كل يوم بنفاد صبر لممارسة هذه الرياضة البدنية و الروحية ، وكنا وقتها نضحك من كل شيء وعلى كل شيء ، وفي اليوم الذي لا يتم إنجاز هذا اللقاء الفنتازي من الضحك الذي يشبه البكاء ، فقد كان يمضي يومنا في كآبة مطلقة ، ومقهى الضحك في هذه القصة لم يكن خيالا محضا ولا ننسى أن في بغداد كانت هناك مقهى تسمى بمقهى المعقدين وأخرى تسمى بمقهى الكآبة –لذلك اقترحت في قصة المضحكة أن تكون لنا مقهى للضحك !
إن الشاعر في قصتي – اللفافة العظيمة- كان مكابرا على جوعه ولا يمكنه الإعلان عن ذلك الجوع الخرافي ، المرأة تظهر في الكثير من قصص المجموعة متقلبة المزاج وتصير في الكثير من الأحيان عبئا نفسيا وأخلاقيا على شخوص القصة كما في قصة وعاء الضغط.
- المرأة العربية عالم متكامل متشابك ومعقد جدا ، وربما البعض بسبب هذا التعقيد لا يزال يناقش ، هل إن المرأة من جنس البشر ، فهم غير متأكدين بعد إن كانت المرأة إنسانا ، وسبب شكهم هذا أن آدم خلقه الله تعالى من حمأ مسنون بينما المرأة خلقت بأخذ شيء حي من جسم آدم ، وقد جاء خلقها بعد خلق آدم بفترة طويلة ، فقيل إنها خلقت من ضلع آدم لتذهب عنه وحشة الوحدة .. أما مفهوم المرأة كإنسانة وشريكة حياة للرجل فلم يستقر تماما في أذهان الكثيرين ، لذلك فهي جزء من الديكور وهذا ما نراه في عملها كصحفية وسياسية ، وأديبة ، وموظفة ، ولا يزال المجتمع يعامل المرأة عند الزواج على أنها على ثلاثة أنواع ، بمعنى واحدة لك وواحدة عليك وواحدة لا لك ولا عليك ، فالتي لك هي البنت البكر الطرية العود ، التي تكون أنت – الرجل الأول في حياتها ، وأما تلك التي عليك فهي الأرملة التي تتزوجها فهي تعيرك في كل مناسبة بمزايا زوجها الراحل ، أما الثالثة التي لا لك ولا عليك فهي المطلقة ، فإذا أحسنت الصنيع معها ، قالت في نفسها : هذا ما يجب أن يفعله الزوج الحقيقي ، وإذا أخطأت حنت إلى طليقها ! هذه هي مفاهيم المجتمع عن المرأة ، فماذا يكتب الكاتب عنها لئلا يجانب الصواب ويقع في الخيال المحض ، وهكذا حاولت في أغلب قصص المجموعة التي تأخذ المرأة فيها دورا رئيسيا ، أحرص أن تكون من لحم ودم أسيرة تقاليد مجتمعية كثيرة فهي في قصة وعاء الضغط يأخذها الزوج إلى مكان مشبوه لطلب الرزق فيقع لهما ما لم يكن بالحسبان وكذلك المرأة في قصة "لغة العيون الخائنة" زوجة تبحث عن حياة أفضل فتطلب من زوجها أن يفعل ما لا يؤمن به ليكون غنيا بأسرع وقت ممكن ، وكذا المرأة في اللفافة العظيمة متسولة لكنها تجد في الشاعر الشيخ الذي يكاد أن يموت جوعا في زمن الحصار مناسبة لممارسة إنسانيتها فتتبرع بما جمعته من طعام للشاعر.. وفي أعمامي اللصوص القصة التي أخذت المجموعة عنوانها ، الجدة هي رئيسة عصابة السلب والنهب وهي التي تشجع أولادها وأحفادها على السرقة معتقدة أن اللصوصية من صفات الرجال الشجعان !
? ما هو تسلسل هذه المجموعة ضمن كتبك و ما علاقتها بروايتك " عراقيون أجناب" الصادرة عام 1999 والتي قال النقاد أنها السبب في أن نظام صدام حسين وضع أسمك ضمن منشور خاص بالكتاب المرتدين على نظامه :
? - هذه المجموعة هي الرابعة أما فيما أصدرت فهو كتابي السابع وأنا في قصصي كحجر المسن أشحذ ولا أقطع ، السبب في ذلك أن بيان الشيعة الشهير الذي صدر في لندن من قبل المعارضة الشيعية في لندن قد أخذ من روايتي عراقيون أجناب وقد صرحت وقتها في الصحافة حول هذا الموضوع مؤكدا هذه الحقيقة، وتجدها فيه كل النقاشات التي دارت على السنة أبطال روايتي تجدها بلا تغيير في البيان المنشور ، بل وبإمكانك أن تحصر فيه جملا طويلة من دون تغيير وردت في متن روايتي ، وللأسف لم يفعل الذين أصدروه كما يفعل المثقفون الأوربيون عندما يستعينون بنص أدبي أو يوحي لهم بأفكار لكتابة بحث ما ، وهنا أذكر على سبيل المثال أن د. سيحموند فرويد المحلل النفسي المعروف عندما كان يتناول حالات نفسية كان يستعين بشخصيات من روايات معروفة لدوستيوفسكي وتولوستوي وعندما اختار "عقدة أوديب" ليناقشها نفسيا اقتبس اسم العقدة وبطلها من المسرحية اليونانية المعروفة "أوديب الملك" للكاتب والشاعر المسرحي اليوناني القديم سوفوكليس ، وهكذا أعطى لهؤلاء الكتاب مكانتهم الأدبية التي تليق بهم ، أما من دبج "بيان الشيعة" ونشره لم يشر إلى مصدر الأفكار وتطلعات الشيعة في روايتي التي أخذها قسرا من الرواية ووضعها في البيان وكذلك من قصصي التي تحدثت فيها عن المظالم التي تعرضت لها هذه الشريحة الواسعة من المجتمع العراقي وفي الجنوب بالذات في العهود السابقة..
? هلا حدثتنا عن هذا الموضوع بالتفصيل ؟
- أعود هنا بالذاكرة إلى سنة صدور الرواية "عراقيون أجناب" عام 1999 ،إذ بعد صدورها بأقل من سنة اتصل بي هاتفيا من لندن رجل الأعمال العراقي جواد الجلبي – شقيق أحمد الجلبي- عضو مجلس الحكم السابق – ونائب ريس الجمهورية بعد احتلال العراق وبعد المجاملات المعهودة وإعرابه عن إعجابه الشديد بالرواية ويبدو أنه حصل على نسخة منها عن طريق أصدقائه بالمغرب ، طلب مني أن أزوده بعدد كبير من نسخ الرواية فأعطيته رقم هاتف الناشر ، واعتقدت في البداية أن لديه رغبة بمساعدتي بشراء كتابي لأن عادة هنا بالمغرب لا يحقق الكتاب الأدبي ربحا وفي كثير من الأحيان لا يسد ثمن طبعه خصوصا إذا كان الكتاب يناقش وضعا غير وضع المغرب ، وسألته عن سبب طلبه هذا العدد من النسخ وهو لا يعمل بالنشر ولا من مسوقي الكتاب ، فأخبرني بأدب أنه إذا سمحت طبعا سيهدي روايتي إلى عدد كبير من قيادات المعارضة العراقية والشيعية بالأخص في لندن ليطلعوا على إبداع العراقيين في المنافي ، وسألته على سبيل الفضول عن الأسماء المقترحة التي سيهدي لهم روايتي فذكر لي بعضهم ومنهم سعد صالح جبر ، بحر العلوم ، موفق الربيعي ، غسان العطية ، وأسماء أخرى كثيرة وقعت على بيان الشيعة الذي صدر بعد ذلك وأثار ضجة كبيرة بين أوساط العراقيين ولا يزال حتى هذه اللحظة يثير الكثير من التساؤلات وصار الأساس النظري للتجمع الحالي المسمى بالبيت الشيعي في العراق.
? تناولت في "أعمامي اللصوص" تقنية حديثة لإعادة الروح للتراث العربي من خلال ألحكي خلال النص ، أو من خلال ثنائي متناوب ، الأول الحكاء في القصة والثاني السارد ، وهذا ما لمسته في قصص كثيرة منها أعمامي السبعة ، أعمامي المقلدون ، وأعمامه البخلاء..
- اعتبر بورخس "ألف ليلة وليلة" هي مصدر الكثير من حكاياته وقصصه ونحن نعرف أن هذا القاص أعمت كثرة القراءة عينيه وإيزابيل الليندي التي عاشت في بيروت مع زوج أمها الدبلوماسي وقد استخدمت في متن روايتها "أفروديت" مقتبسات كثيرة من كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي ومن "الروض العاطر" ، أما "دون كيخوتة" سرفانتس فإن تأثيرات ألف ليلة وليلة في هذه الرواية الهائلة واضحة ، وأنا طيلة السنوات الماضية أحاول كتابة قصة أحاكي بها النص التراثي ، وأنا أشعر بقدرة مبدعينا الكبار الذين عاشوا منذ قرون واستطاعوا أن يخطوا على الصخر ما لم تمحه القرون ، وأسمعك هنا عن مجنون اسمه عنباوة كان يعيش في العصر العباسي في الكوفة ، وكان يصفعه كل من مر به وكان على قفاه قذر وروت وكان عندما يصفعه أحد يقول له : شم يدك يا فتى ..
فلم يصفعه أحد بعد ذلك ، هكذا صار تراثنا الأدبي درعا لنا فكلما صفعنا أحد على ظهورنا بدعوى التخلف والجهل سنقول له ، فتش أدبك الحديث جدا لتجد تأثيرنا الكبير فيه وبأجيال كثيرة..
? وما رأيك برجال الثقافة في وطنك ؟
- إنهم كبار حقا ، وكل واحد منهم إمام في علمه ، تجدهم أساتذة في الصحافة ، ومنهم تعلمت الكثير أخص بالذكر هنا الأستاذ سعد البزاز وحسن العلوي وهارون محمد ود.سيار الجميل وفي الشعر ومحبته تعلمت الكثير من المرحوم الشاعر محمود البريكان و عبد الخالق محمود والشاعر حسين عبد اللطيف ، والشاعر أديب كمال الدين والشاعر زكي الجابر ، ود. علي القاسمي وعبد الرحمن مجيد الربيعي وعدنان الصائغ وعلي عبد الأمير ، وحميد العقابي ، ولا تزال أصداء حكاياتهم ونوادرهم تتردد في ذاكرتي ولا تزال جلساتنا في مقهى البصرة حاضرة مع القاص المبدع محمد خفير والذي أدهشنا مرة بالحديث عن اختراع حديث لإعادة أصوات الأنبياء وما قالوه ، بالتقاط كل ذلك الكلام من الهواء وتسجيله على أقراص C. D ، والقاص المبدع عبد الستار ناصر و القاص المبدع عدنان حسين أحمد وإبراهيم أحمد وعبد الجبار ناصر وشوقي كريم وحميد المختار والروائي المبدع فاتح عبد السلام ، وسلام إبراهيم ، وعبد الحسين الغراوي ، والمرحوم القاص مهدي جبر ، والقاص المبدع رحيم كريم ووارد بدر السالم وجمال حسين وإلياس ألماس والروائي المبدع كاظم الأحمدي ويعرب السعيدي ووفيق السامرائي والشاعر صالح عبد الرضا والشاعر صلاح نيازي وأسماء كثيرة يمتلئ الورق بأريج أسمائهم اللامعة في سماء وطني العراق....
- وماهو تقييمك لما يجري في وطنك من الناحية الفكرية والتغييرات الحاصلة على الأرض الآن ؟
* ما يحدث في العراق ألان يشبه إلى حد كبير مزيج للثورة الأمريكية للتحرر من الاستعمار الانجليزي و الثورة الفرنسية عام 1789 للتحرر من مضطهدين سابقين بضم الميم وفتح الطاء ، هي ليست حربا أهلية بالمعنى الصحيح فالعراقي لا يقتل العراقي إلا من أجل المال والعرض والثأر ومن يعتقد أنه يقتل من أجل المذهب أو العرق ، فهو واهم وعلينا أن ننتبه إلى ما فعلوه لنستدبر مرحلة ونستقبل مرحلة جديدة بكل معنى الكلمة ، إذ اعتبروا أن التغيير على الأرض في فرنسا بعد الثورة الفرنسية لا يعني شيئا إذا لم يحترموا الثقافة الفرنسية ولم يختاروا من هؤلاء المثقفين أئمة لهم في جميع مفاصل الحياة وإدارات الدولة ، فلا مٍ
طعام الأسود ...
| طعام الأسود ... |
|
|

شاءت الأقدار أن احصل على عمل – بعد بحث طويل- في حديقة للحيوانات ، لم تكن عندي الخبرة اللازمة للعناية بأي نوع من الحيوانات ، فقد كنت في طفولتي لا أطيق القطط وأخاف الكلاب ويشتد هلعي إذا سمعت من يقول أن في الدار فأراً ، ولا يهدأ لي بال حتى أتأكد أنه تم القضاء على ذلك الفأر الذي هدد أمننا المنزلي ، واعتقدت في البداية أنّ العمل في حديقة الحيوانات لا يتعدى النزهات اليومية طوال شهر وخلال ذلك يمكنني قراءة كل الكتب التي لم أنجز قراءتها بعد والتي أكتريها بالدين من صاحب الكشك القريب من مسكننا ، وفي نهايته أقبض راتباً يكفيني ذل السؤال والهروب المستمر من الدائنين في هذه المدينة البشعة التي يعيش نصف أهلها على أعمال وهمية وتقديم خدمات للسائحين وإمتاع أوقاتهم بتقديم ألوان الفلكلور أمامه . قدمتني السكرتيرة إلى مدير الحديقة . كانت صغيرة ، فاتنة ، ولها لفتة ظبي وعينا يمامة ، ويبدو إنها أوضحت للمدير سبب مجيئي للحديقة قبل دخولنا عليه ، فقد حد جني المدير بنظرة متفحصة ثم رأيته يشيح بوجهه عني ، وحدست بخبرتي إنه سيعبر لي عن رفضه ، ويعتذر عن تعييني في الوظيفة الشاغرة ، فاندفعت صوبه أرجوه أنْ يعطيني هذه الفرصة ، وكررت أمامه إني سأبذل ما في وسعي من جهد في هذا العمل وبمنتهى الأمانة والإخلاص ، نظر إلي المدير من جديد كأنما ليتأكد من صدق توسلاتي وبعد أنْ فكر قليلاً بدا وكأن قلبه رق لحالي ، لكنه هز رأسه متشككاً في قدرتي على تأدية متطلبات الوظيفة ، وسألني أنْ كنت قادراً على العيش مع الأسُود ؟ !! وهذه هي حقيقة العمل المطلوب كما وضح لي ... وردد : العيش مع الأُسود وأُسود معقدة تكره حتى نفسها لأنها لم تذق اللحم الحقيقي منذ تشرفت بالعيش معنا .. ( وضحك ) ، فأجبته : أنني أستطيع ذلك ، وهذا هو العمل المناسب الذي كنت أبحث عنه، قال المدير بنفس لهجته الساخرة:( ربما سنطلب منك يوماً تنظيف أسنان الأسُود بالفرشاة ومعجون الأسنان !! ) فكرت : ( طول عمري لم أسمع أنّ أحداً نظف أسنان أسد في حديقة حيوان أو سيرك بفرشاة ومعجون أسنان ..) وتساءلت : ربما كانوا يفعلون ذلك دون أن أعرف ، فمن يعرف أسرار هذه المهن الصعبة ؟ لم أستطع التراجع عن استعدادي للعمل بالرغم من جسامة المخاطر الموعودة وإحساسي ببدني يرتجف فرقاً منذ الآن . حقيقة كنت بحاجة ماسة للعمل وأضفت لتلك الحاجة الاستحياء من إظهار خوفي أمام السكرتيرة الصغيرة الحلوة ، ومديرها الذي لم يترك وسيلة لم يستخدمها لتخويفي من العمل إلا وتحداني بها .. وأخيرا أمام صمودي البطولي الكاذب هز المدير رأسه موافقاً على تعييني كمساعد مُطْعِم للأسود – تحت التجربة – فكرت في نفسي : إنني لم أجرب إطعام أسود من قبل ... لكنني لم أنبس بكلمة ، وخرجت من غرفة المدير مرتبكاً أتبع السكرتيرة لتسجيل بياناتي في مكتب شؤون العاملين المجاور ، وأنا أفكر بطريقة تجنبني هذا العمل الخطر وسأبذل أي جهد لأجد من يتوسط لي لنقلي إلى عمل آخر في الحديقة غير هذا العمل ، والمهم الآن إنني وضعت قدمي في هذا المكان ووجدت عملاً في مدينة العاطلين هذه ، وبعد أنْ سجلت بياناتي أصطحبني أحد العاملين في جولة تعريفية بأقسام الحديقة ، فلاحظت الأسود كسيرة النفوس مهيضة العزة ، ولا تبدو عليها مهابة الأسود التي نراها عادة في الصور الفوتغرافية وأفلام التلفزيون . عرفت من العامل أنَّ عملي يتلخص بتقطيع شرائح اللحم لتقديمها إلى الأسود والنمور واللبؤات مرتين في اليوم ، المرة الأولى في الصباح والثانية قبل الغروب بقليل ، فكرت في نفسي : ( هذا أمر بالغ السهولة !! وسأقضي بقية يومي متنزهاً في الحديقة بين قمرات الطيور والعصافير الأفريقية الملونة وحظائر الزرافات وأحواض الدلافين ، وربما سأحظى بين الحين والآخر بقطعة لحم أحملها عند عودتي من العمل إلى الدار لتعدها زوجتي لنا كأفضل ما أكلناه طوال الشهور الستة الماضية . في اليوم الأول من أيام عملي اكتشفت أنَّ كميات ضخمة من اللحم المستورد تجلب بالسيارات المبردة ، وتحفظ في برادات القسم الإداري التابع للحديقة ، وأوصاني – المُطْعِم الأول – أنْ أقتطع الأجزاء الطيبة ، وفيرة اللحم من الذبائح مع أكبادها وكليها وأحفظها في كيس نايلون ، وأخبرني تلميحاً إنها حصة مدير الحديقة ونائبه ومد راء الأقسام ، وعلي أن ْ أحملها إلى سياراتهم بعد أنْ يخرج العمال الى بيوتهم . فكرت بقطعة لحم أهربها إلى خارج الحديقة لتفرح بها زوجتي أيضاً ، وسأعطي منها لجيراننا ، الذين وقفوا مع عائلتي في فترة بطالتي التي عانينا منها طويلاً وقدموا خلالها لنا مختلف الخدمات والمساعدات العينية بالرغم من فقرهم ، التي كانت تذكرني وزوجتي إنَّ الخالق سبحانه لا ينسى عباده فتترقرق الدموع في عيني زوجتي أولاً ثم تنتقل العدوى إليَّ ويحرص كل مننا أنْ لا يكتشف الأبناء سر َّ هذه الدموع المنهملة فنصير محط سخرية أكبر أولادنا ، الذي غالباً ما يعيرنا بأننا نحول أحداث الحياة إلى أفلام هندية نتباكى عليها!! وحاولت أن أتخيل إمارات العرفان على وجوه الجيران ، وكل واحد منهم يستلم حصة من ذلك اللحم الطازج ، الذي لم أر أفضل منظراً منه في كل مجازر المدينة ، وأوشكت على قول : أنَّ لا شكر بين الجيران لقد عملنا الواجب لا أكثر ... وتخيلت كلمات الشكر تنهال عليَّ .. انتعشت الآمال في نفسي بحياة كريمة وربما لأول مرة في حياتي وشعرت أنَّ ثمة أملاً حقيقياً في عيش حياة عائلية مستورة منذ هذا اليوم ، وقد أمضينا فترة طويلة من أعمارنا في الفقر والحاجة ، وقد قست الحياة علينا كثيراً في بعض الأحيان اضطررنا للاقتراض من هذا وذاك ، ولم نتوقع يوماً حسناً على الإطلاق ، لكننا لم نفكر بيوم أبعد من يومنا ، كنا نفكر بتدبير مؤونة يومنا فقط أما الغد أو لماذا نحن وغيرنا بهذه الحال المزرية ، فذلك في علم الأقدار التي أتت بنا إلى هذا الوجود .. عندما شاهدني مدير المخازن الأصلع أتجول كثيراً قريبا من البرادات ولصفة الطمع بالحصول على شيء من اللحم تشع في عينيَّ ، ولقد رآني كلما ذهبت بعيداً إلى أطراف الحديقة عدت مجدداً إلى موقع البرادات كأنما كان هناك خيط لا يُرى يقيدني بالبرادات وكلما ابتعدت سحبني من جديد إليها وأنا أتخيل وجوه جيراني عندما يستلمون مني حصتهم باللحم الذي سأجلبه معي ، وعندما رآني المدير أقترب من جديد ناداني وسألني عن هدفي من هذه المسيرة المكوكية ؟! فأخبرته بكثير من الارتباك والأدب المفتعل إنني عامل جديد معّين في الحديقة ولا أعرف أين أقضي وقت الراحة القصيرة ، فنظر صوبي ووجهه ينبئ بتهديد ووعيد ، وطلب مني أنْ أبتعد عن البرادات ولا أعود إليها إلا حين يصطحبني رئيسي المباشر ! كانت أقواله أوامر ، وربما كانت ستتبخر أحلام أحد غيري بعد هذه التهديدات ولكن هيهات أن يحدث هذا لي.. انتعشت آمالي مجدداً بعد ساعة حين رأيت مدير المخازن الأصلع يغادر الحديقة صوب الخلاء المؤدي إلى الخارج .. وعندها فقط شعرت أنَّ الفرصة قد حانت لحصولي على اللحم أكثر من أي وقت آخر ، اتجهت على الفور إلى قسم البرادات طالباً حصة اللحوم الخاصة بقسم الأسود فأخبرني الموظف أنَّ الوقت المحدد لإعطاء وجبة الطعام لم يحن بعد ، لكنهم بعد أخذ ورد سلموني الكمية على مسؤوليتي .. حين قلبت ما استلمته منهم شعرت بالغثيان والقرف فلم يكن باللفافات اللحم ذاته الذي قمت بتقطيعه في الصباح بل وجدت مزيجاً غريباً من أطعمة شتى تم خلطها بحذق ، كالفول والأرز وفتات الخبز المداف ببقايا أمعاء مثرومة وشحوم وجلود ، وقد رش ذلك الخليط العجيب بدم الذبائح وأخبروني أن ما معي هو طعام الأسود !! وعندها فقط عرفت لماذا بدت أسود الحديقة كسيرة النفوس ولا تطيق ذواتها ، مخلوقات مسكينة لا حول لها ولا قوة وهي على وشك الانهيار في كل لحظة |
حضور النص في (عراقيون أجناب) لفيصل عبد الحسن بقلم عبد الرحمن مجيد الربيعي..
|
|
| ) حضور النص الغائب في (عراقيون أجناب)
بقلم :عبد الرحمن مجيد الربيعي 
-1-
قرأت رواية الصديق فيصل عبد الحسن (عراقيون أجناب) قبل أسابيع ، هذه الرواية التي كتبها في المغرب حيث يقيم وقد حظيت باهتمام واضح إذ تعددت القراءات لها سواء على صفحات جريدة الزمان أو جرائد مغربية أو عربية أخرى.
لكن قراءتي لها جعلتني أتوقف عند جانب هو الأساسي فيها إذ أنها تطرقت وبشكل تفصيلي إلى العادات والتقاليد الشعبية العراقية من خلال قرية على ضفاف الأهوار .
أن فيصل عبد الحسن يذكرني بروائي آخر هو من اكبر مجددي القصة القصيرة العراقية في أثرى فتراتها وأكثرها تدفقا وغليانا جيل الستينات أما هذا الروائي فهو جمعة اللامي .
لكن اللامي يفيد من ثراء الموروث الشيعي في مدونة لا تعني بالتفاصيل بل بالروحية وقد تمثل هذا في رواية مجنون زينب التي سبق لنا أن قدمنا قراءة لها في هذه الزاوية ومن ثم روايته الجديدة ( المقامة اللامية ) .
-2-
هنا اعترف بأنني رغم كوني ابن الجنوب وقد لحقت بتلك السنوات سواء بالفترة الملكية أو بالسنوات الأولى من العهد الجمهوري خاصة فترة حكم الزعيم الوطني المغدور عبد الكريم قاسم ، التي كان تقديم كل الطقوس الشيعية في أيام عاشوراء مسموحا بها قراءات حسينية ومواكب عزاء والضرب بالزنجيل والقامة ...الخ ، وتوزيع الهريس واللحم بالقيمة .
وقد فدت شخصيا من هذه الطقوس لأنني فتحت عيني عليها كمراقب وليس كمشارك كما هو شان الكثير من زملائي في الابتدائية .
لا بل أنني حظرت مرة التشابيه في الشطرة وهي أعادة لتمثيل مقتل الحسين عليه السلام والغريب أن هناك شخصيات تختص بتمثيل نماذج معينه وكان احد أقرباء جار لنا واسمه رسول مختص بتمثيل دور الشمر قاتل الحسين وكاد يقتل كما روي لي على يد إعرابي ظنه الشمر حقيقة.
هي حكايات ومشاهد تسرب البعض منها إلى نصوصي ولكن ليس كما حصل عند فيصل عبد الحسن اذكر هنا قصتي الطويلة مملكة الجد التي أعجبت السوفيت وترجموها قبل سنوات على سبيل المثال. ويبدو لي أن العراق بفسيفسائه وتركيبته العرقية والدينية هو مادة ثرية للكتابة السردية لكن شريطة أن تظل في الإطار الوطني إذ المسألة حساسة جدا . أنني افتقد لرواية تتحدث عن الأشوريين مثلا وحتى الكتاب الذين ينتمون لهذه الطائفة وهم كثرة لم يكتبوا عنها لنقرأ نصوص سركون بولص السردية المبكرة ثم قصائده وهو الاسم الأبرز . لان المتلقي يبحث عن الجانب الايجابي في المسالة ويتعرف على ما لا يعرفه عن طائفة أساسية في بنية المجتمع العراقي وكذلك الأمر بالنسبة للصائبة وما لهم من طقوس مائية ثرية لم تكن موضوعا لعمل روائي كبير و لي أن استغرب هذا .
حتى الروايات الكردية وحيث يشكل الأكراد القومية الثانية في العراق أو التركمانية وهنا تعنيني الطقوس والعادات والتقاليد فأنها غير موجودة بشكل واسع. أتذكر قصص الراحل عبد الصمد خانقاه وقليلا من قصص يوسف الميدري وروايات فاضل العزاوي التي تقدم اختلاط ألتركيبه المتفردة بمدينة كركوك ، لكن مع طغيان الخطاب السياسي نظرا لقوة حضوره في المياه العراقية بحيث لا يمكن قفزه أو تجاوزه وأيضا زهدي الداوودي في مجموعته المبكرة التي قرأتها ( الإعصار) وهو كاتب كردي بالعربية .
-3-
أعود إلى (عراقيون أجناب) وأقول إنني شخصيا ألممت من خلالها بتفاصيل عن السيد حفيد الرسول صلى الله عليه وسلم ومكانته ، كذلك طقوس تنصيبه وماذا يعنيه في القرية الجنوبية ، من المعروف أن في كل قرية يقيم سيد أو يختص بالمرور فيها في أيام عاشوراء ليقيم المجالس الحسينية ويتقاضى أجرا يجمع من أهل القرية وهو المرجع بعد الشيخ في أمور الدين والشيخ في أمور الدنيا .
ومن كان سيدا لا يتزوج إلا من ذرية رسول الله أي العلوية – كما تسمى – أما بناته فلا يتزوجن إلا من سيد مثله حتى لو أصبحن عوانس ويبدو أن ما كنت اعرفه كان الوجه الظاهر لكن فيصل عبد الحسن قادني إلى التفاصيل ومن خلال رواية عراقية عنيت بسكان منطقة معينه ومحدده من العراق وما عاشته من أحداث خاصة السياسية منها بحيث أصبحت منخرطة في أحداث رغما عنها ووظف بعض أبنائها ليكونوا عوننا للنظام ضد أهلهم . حتى الأموال التي تجمع وأين يتم إيداعها في منطقة الحفيظ في أعماق الهور أعطانا فيصل عبد الحسن معلومات عنها وقد كنت أظنها لغزا غامضا في الذاكرة والوهم أكثر منها حقيقة وفي قصة مبكرة لي هي الوحيدة التي كتبتها عن الاهوار وعنوانها( سر الماء )عام 1974 بعد رحلة عدة أيام قمت بها إلى الاهوار أنا والصديق الفنان والكاتب اللبناني الراحل فاروق البقيلي قلت عن الحفيظ . الحفيظ هو المجهول المرعب بالنسبة لسكان الاهوار وكلما سألت أحدا منهم عنه صمت خائفا أو أطلق بسملة مذعورة . فيصل عبد الحسن حول الحفيظ إلى مكان معلوم وصلت له طائرات الهليكوبتر الحكومية وحملت كل خزينه من الذهب والمال وكان السيد الذي يعيش شهور عمره الأخيرة قد انتقل بمشحوف مع ابنه الفتي الذي سيرث عنه المكانة ليطلعه على السر فإذا كل شيئا قد ضاع وسلب أمام أعينهم وهم يتفرجون على ما يجري .
أن الدلالة السياسية واضحة لكن المهم أن فيصل عبد الحسن قد أخذنا إلى ما هو ناء وقصي في الوجدان الشعبي الجنوبي العراقي وقدم لنا تفاصيله بل وأعطى لنفسه المساحة الكافية ليتجاوز المسكوت عنه ويحوله إلى معلوم والرواية أخذت هذا البعد لكون كاتبها قد مضى بها دون أن يضع أمامه أي محظور أو يقع تحت سطوة أي خوف . وهذا أعطى نصا روائيا كان غائبا فجعله حاضرا .
الملحق الثقافي لجريدة عمان مسقط في 17- 5 – 2001

|
عراقيون أجناب... هل كان من الممكن لعمل مثل هذا أن يرى النور في العراق ؟ بقلم الكاتب عبد الله خيرت
عراقيون أجناب... هل كان من الممكن لعمل مثل هذا أن يرى النور في العراق ؟
عبد الله خيرت* 

عنوان هذه الرواية غريب خاصة الكلمة الثانية وكان من الممكن أن تكون أجانب أو غرباء ولكن الكاتب يستعين بقواميس اللغة التي أشارت إلى أن الكلمة تعني إغراب .. ويستعملها العراقيون بهذا المعنى في الجنوب فالأجناب هم الذين ابعدوا عن ديارهم بالقوة وستدور هذه الرواية حول هذا المعنى.
ولم يسعدني الحظ فأتعرف على هذا الفنان العراقي المبدع فيصل عبد الحسن على كثره من عرفت من الأصدقاء العراقيين الذين يميزهم جميعا حس فني راق وثقافة عميقة وانشغال كامل بهموم الوطن العربي التي تبدو بلا نهاية ربما كان هذا الفنان يقيم بالبصرة حين كنت ازور بغداد بشكل منتظم للحضور لمهرجان المربد السنوي أو للمشاركة في بعض المؤتمرات والندوات ولم تتوقف هذه الزيارات إلا بعد أن دهمتنا تلك الحرب المؤامرة بين العراق والكويت والتي حمل شعب العراق دون غيره من شعوب الأرض وزرها .
ودون خروج عن سياق الموضوع اذكر إنني كنت أقيم دائما في فندق يطل على نهر دجلة مما أتاح لي حقيقة لا مجازا أن اسمع غناء القيان وعزف النايات من الشاطئ الآخر وكنت انهض في آخر الليل يصاحبني حلم أن أرى هارون الرشيد ووزيره جعفر وهما يجوسان خلال المدينة متنكرين ليطمئنا على أحوال الرعية .
ولفت نظري كما حدث لكل الزائرين أن هناك مساحة واسعة بين النهر والمباني امتلأت بأشجار النخيل وبعض المقاهي المتناثرة والمتنزهات فالقانون هناك يحرم عليك أن تقيم بناء فضلا عن ناطحات السحاب التي حجبت النيل عن عيوننا على شاطئ دجلة حيث تلوذ الحمائم بين الماء والطين كما يقول ألجواهري وكنت أتذكر وقتها الملاحظة التي سمعتها من الملكة فريدة رحمها الله حيث قالت أن الملك فاروق وتأمل هذا كان يمنع أن ترتفع الأبنية في شارع الهرم لأكثر من طابقين بحيث يمكنك وأنت في ميدان الجيزة أن ترى الأهرام شامخة وشديدة الوضوح.. كل هذا من اجل تنقية الذوق وتربية الناس على أن يتعودوا رؤية الأشياء الجميلة أو المعالم ذات القيمة الخالدة .
هكذا يبدو أنني ابتعدت عما أريد أن أحدثك عنه وهو رواية فيصل عبد الحسن ولكنني تصورته وهو منفي بإرادته أو برغم ارادتة في الدار البيضاء بعيدا عن عروس المدائن بغداد التي لا يبلى جمالها وإذا كان هذا إحساسي ولم أقم في تلك المدينة فترة طويلة فما بالك بمن عاش فيها وعرف تاريخها ؟
وكنت قد اخترت لهذا الفنان منذ فترة قصيرة قصة بديعة اختلط الجد بالهزل فيها كما سترى في هذه الرواية أيضا واكتمل بنائها الفني وبدت لغتها سلسة ميسرة لا افتعال فيها ولا تكلف ولكن الموضوع لم يكن مناسبا فانا أو غيري من الذين عرف العراق والعراقيين لاستطيع أن نلومهم أو نحملهم مسؤولية ما حدث لأنها كانت مؤامرة بالمعنى الدقيق للكلمة وقع العراق ضحية لها كما يقع العرب كل يوم ضحايا لأمثال تلك المؤامرات المرسومة بدقة .. أخذت أتساءل هل نعتذر عن القصة أم ننشرها حتى يعرف أصدقاؤنا من الكتاب كيف يبدع العمل الفني ؟
وهكذا نشرت القصة واعتقد أنها لا تزال في ذاكرة من قرأها إلى الآن وسوف يستمر ذالك طويلا .
أما هذه الرواية عراقيون أجناب فهي نموذج آخر شديد التميز لإعمال فنية جيدة مكتوبة بذوب القلب . وهي تحكي فترة من تاريخ قرية الجوابر التي تقع في جنوب العراق على الحدود الإيرانية وهذه هي المصيبة العظمى لان الرواية تتحدث عن تلك القرية وقت قيام الثورة الإيرانية ولان أهل الجنوب شيعة فلك إن تتصور حالهم بعد أن نجح الإيرانيون في القضاء على الشاه .
أن قرية الجوابر التائهة بين الاهوار والتي لايمكن أن ترى اسمها في أي خريطة والتي يعيش فيها أناس مساكين لا يعرفون من أمور الدنيا ألا حرفة الصيد والزراعة ولن يعرفوا المذياع إلا بعد قيام ثورة إيران هؤلاء الناس الذين ليس فيهم أبطال ولا يعرفون النقود لأنهم يعيشون مثل المجتمعات البدائية على التبادل ..
أصبحوا بين عشية وضحاها موضع اهتمام وقلق الحكومة في العاصمة والعلاقات الطيبة القائمة بينهم وبين إخوانهم على الحدود غدت محل ريبة وأثارت كثيرا من الشكوك .
وكأنما لا يكفي هذه القرية تحرش الحكومة بأهلها وتنغيص عيشهم فقد عاد جاسم العطية ابن القرية من المدينة بعد غياب خمس سنوات هناك عاد يلبس البنطلون والقميص ويحمل بعض الكتب وأخذته الحماسة لينبه الناس من غفلتهم فحمل قطعة كارتون لا يعرف احد من أين حصل عليها وخط عليها بقطعة فحم وخط ركيك هنا مقر الحزب الشيوعي.. وأسفل ذلك كتب.. يا عمال العالم أتحدوا ! ولم ينس علامة التعجب التي رسمها رسما دقيقا وعلق تلك الكارتونة على باب المضيف المكان الذي يتجمع فيه أهل القرية في آخر النهار للسمر وحل المشاكل ويسمى في مصر المضيفة .
هكذا أوقع جاسم أهل القرية في مشكلة جديدة لا يعرفون عنها شيئا ولكنهم سيكتوون بنارها ففي عصر ذالك اليوم مرت دورية للشرطة بالقرية لتراقب المهربين عبر الحدود إلى إيران فأصيب الضابط بالدهشة وهو يجد نفسه فجأة أمام مقر الحزب الشيوعي كما تشير اللافتة الكارتونية المعلقة على الباب وهو الحزب الذي تمنعه السلطة وتناصبه العداء وتصفه بالكفر والعمالة للأجنبي بل تجعله في صف واحد مع الخائنين والمجرمين .
واقتحم الضابط مع جنوده المضيفة وقبض على كل الناس الذين كانوا هناك لإنهاء خلاف عائلي ولم يعرفوا ما القضية وما الذنب الذي ارتكبوه وتعرضوا لأهوال انتهت بهم إلى السجن .
وهذا الموقف الهزلي لا ينتهي هنا فحين اجتمع أهل القرية مع جاسم وسألوه ماذا يريد قال انه جاء ليرفع الظلم عن الفلاحين والصيادين ويوقف الاستغلال . وغباؤه الشديد هو الذي جعله يختار المكان غير المناسب ليطبق نظريته فليس في القرية استغلال ولا عمال مطلوب منهم أن يتحدوا وتحداه أهل القرية
أي ظلم تتحدث عنه ؟ كلنا فلاحون ونعمل في ارض الله الواسعة والحصاد نتعاون فيه جميعا ولا مالك للأرض غير الله ونوزع غلة الأرض بيننا أما الصيد فكل واحد يأخذ شبكه الخاص أو مع جاره فيرزقهم الله ويتقاسمون عن رضي ما حصلوا عليه .. وأنت تعرف كل هذا .. فأين الظلم ؟ فقال جاسم مكابرا ألا تنظر حال الفقراء في قريتنا ؟قال الشيخ جلال الذي يجادله اخبرنا أسماء هؤلاء الفقراء وفكر جاسم طويلا قبل أن يجيب ففي حقيقة الأمر لم يكن في القرية فقراء لكنه قال في المكان غير مناسب : غافل الحسون مثلا .. وهذا أيضا غير صحيح لان الرجل كان متقدما في السن ولا يستطيع القيام بأي عمل والناس يساعدونه ويتكلفون به وامرأته الضريرة .
وتستطيع أن تواصل السير مع جاسم وأفكاره المضطربة إلى مالا نهاية فالشيوعية مطبقة في القرية بكل دقة دون حاجة إلى شعارات ونظريات والناس يرون أن التكافل شئ طبيعي وليسوا في حاجة إلى من يعلمهم كيف يساعدون أهلهم .. ولكن الرواية ليست هذا الجانب المضحك وحده فهناك تلك المواقف الباكية التي تجعل الدموع تطفر من عينيك حين ترى مثلا احتفال أهل القرية بيوم استشهاد الحسين رضي الله عنه أن هذا الاحتفال يقام سنويا في أجواء من الجدية والصرامة والإحساس بالذنب القديم وهم في القرية الشيعية يعيدون بعث المشهد لحزين من جديد ويختارون بعض الناس ليقوموا بدور جنود يزيد الذين يحولون بين الحسين والماء أما المشكلة الكبرى التي تواجه هؤلاء السذج أصحاب العقيدة الراسخة فهو اختيار من يقوم بدور قاتل الحسين ليمثل المشهد القديم ؟ أن الكثيرين يترددون ويرفضون أداء هذا الدور الخسيس ولكن في النهاية لابد من واحد يقوم بهذا العمل والتجارب السابقة علمتهم أن من يؤدي هذا الدور سيكون منبوذا إلى الأبد وكلما كان أداؤه التمثيل جيدا كانت جريمته اكبر حتى أن بعض من قام بهذا الدور من قبل اضطر أن يغادر القرية حتى لا يلتصق به لقب قاتل الحسين مع علم الجميع أن كل هذا تمثيل في تمثيل وان القضية حسمت منذ أكثر من ألف سنه ولكن الإحزان تتجدد والعويل يشتد والرجال يمزقون ملابسهم والنساء يلطمن الخدود وكأن الجريمة تقع أمامهم الآن . ولا يمكن أن تحس بكل هذا إلا أذا قرأت تلك المشاهد في هذه الرواية البديعة التي كتبها شيعي عاش في الجنوب ورأى ما يحدث ، وربما كان هو رغم ثقافته الواسعة أحد الذين اشتركوا في هذه الطقوس من قبل .
في الرواية كذلك ثلاث نساء لا حد لجمالهن والصعوبة هي كيف يمكن أن تميز كل جميلة عن الأخرى لكن المؤلف أبدع ذلك بقدرة فنية رائعة بحيث تظل متذكرا كل جميلة بصفاتها الخاصة ومن هؤلاء الجميلات بلقيس ابنة الإيرانية التي لا تحس أن الكاتب يظلمها أو يشمت بها أو حتى يجعلها رمزا للعراق كما يحلو للكثير من الكتاب أن يفعلوا مع أنه ينتهي بها في رحلتها البائسة إلى دار البغاء في المدينة حيث تعمل هناك لتعيش ولكن حين يلتقيها جاسم الهارب من الشرطة تتجلى إنسانيتها وشجاعتها وتدافع عنه مع زميلات المهنة بكل ما تستطيع ثم تتبعه إلى القرية وهي الهاربة منها بليل منذ سنوات بفضيحة لا يزال الناس يذكرونها ..تأمل جمال هذه الفتاة : ( بلقيس تلك الفتاة التي لا يستطيع رجل أن ينظر إلى عينيها دون أن يعشقها إذ تنتقل النفس فجأة إلى درجة العشق والتتيم وليس كل جمالها ما تراه العين بل أن ثمة طاقة للجمال تنبعث من روحها كالسحر.) ولا يتسع المجال لوصف الجميلات الأخريات..
أو الاستشهاد ببعض من النصوص الشيعية الرائعة التي يوردها الكاتب.. ومنها هذه السطور التي يهتز لها القلب : لقد استقام لنا الأمر في كلا العالمين من سبعة أشياء معوجة فهل رأى أحد منك كيف نقوم المعوج ؟ زججت نفسك في أصول الأفول وألقيت بالشمس والقمر في الملكوت ووضعت الروح في الحبيب فنطق حبا ...ألخ
ولم أكن أريد أن ألاحظ أية ملاحظات سلبية على هذه الرواية الممتعة ولكن طيف أستاذنا يحيى حقي أخذ يتحرك أمامي الآن ليذكرني بأنه حين قرر نشر عدد من المجلة في عصرها الذهبي عن القصة العربية القصيرة فوجئ ونحن معه أن القصة التي أرسلها الفنان العراق القدير فؤاد التكرلي مكتوب حوارها بالعامية العراقية وتحير الرجل كثيرا حتى أمكنه أن يجد حلا فأرسل أحد زملائنا إلى جامعة القاهرة ليأتي بطالب عراقي ليضع الهوامش العربية للمتن العامي وهكذا نشرت القصة .
ورواية صديقنا فيصل عبد الحسن منشورة في المغرب أي أنها ليست موجهة للقارئ العراقي وحدة فماذا نفعل في تلك الكلمات الكثيرة التي تحتاج إلى شرح يبرز معناها ولا نملك دأب يحيى حقي وصبره ؟ صحيح أن الكاتب يفسر بعض الكلمات في الهامش ولكن عشرات الكلمات تظل غامضة لا تفصح عن معناها ولا أريد أن اضرب الأمثلة حتى لا يطول الموضوع .
تحية من القلب لهذا الكاتب المتميز الضاحك الباكي ولو انه ظل في العراق لنشر كتبه كما فعل من قبل في دار الشؤون الثقافية ولن يتح لي بكل أسف أن اقرأ له شيئا من قبل وأتساءل ألان بعد أن انتهيت من هذه الرواية التي زادت اكتئابي هل كان من الممكن لعمل مثل هذا أن يرى النور في العراق ؟ والسؤال الذي يلح عليه أكثر هل كتبه التي نشرت في العراق خاضت في بحر هذه الظلمات المتكاثفة ؟
*كاتب من مصر – مدير تحرير مجلة إبداع المصرية
نشرت الدراسة في مجلة ابداع المصرية في العددين ديسمبر 1999 – يناير 2000
بهدوء رجاءً - أعمامي اللصوص -قصص لفيصل عبد الحسن تسخر من الحروب - بقلم عبد الستار ناصر
بهدوء رجاءً - أعمامي اللصوص -قصص لفيصل عبد الحسن تسخر من الحروب -
عبد الستار ناصر
فيصل عبد الحسن، قاص روائي عراقي هاجسه التعبير عن مأساة شعبه، وقصصه تنهل من مخزون الذاكرة، حيث غادر البلاد بعد حرب غزو الكويت وعاش في الدار البيضاء حتي(يتذكر) ما جري هناك في الجنوب، ويقول الناشر: إنك تستنشق في كتاباته روائح الحرب والموت والفقر والجوع. وفي مجموعته القصصية (أعمامي اللصوص) وهي آخر ما صدر له بعد خمسة كتب، نري كاتبنا هذا وقد أبحر بما إلي عالمه القديم، بين البردي والنخيل والقصب وبين أعمامه وأبناء بيته وذكرياته، في كتاب صغير لكنه يتسع لتأريخ طويل من القتل والذبح والمهالك فاز بها العراق وصارت وشماً علي معصميه! أول قصص أعمامه هي(العين) تحكي هم لص يجلس بين ركاب الباص الكبير وينتظره علي الطريق لصوص آخرون سوف يأخذون الباص بعد نهب كل شيء من ركابه ثم فك أجزاء المركبة إلي قطع صغيرة لبيعها فيما بعد علي أنها قطع غيار، ويشير المؤلف إلي أن هذا يحدث تحت صورة كبيرة لرئيس البلاد الذي انتهي أمره في نيسان والذي كان راعياً للنهب والسلب والسرقات وفي هذه الحكاية إشارات إلي حال الشعب الذي صار الفقر من أول صفاته وكيف مات الأمان في الشوارع والبيوت بعد أن كانت بغداد سيدة الطمأنينة علي مر العصور. ويميل المؤلف إلي أخذ الموروث الشعبي في معظم قصصه ويضيف علي ذلك بعض الكاري والفلافل وبهارات الصنعة القصصية كما هو الحال مع قصة(أعمامه البخلاء) التي تعتمد الحكاية المروية شفاهية علي طريقة أيام زمان، وهذه المرة مجموعة حكايات عن أعمامه البخلاء، فهذا يتزوج من امرأة مطلقة لئلا يدفع(مهراً) وذاك يتعلم المشي بهدوء لئلا تبلي حذائه، ثم ربّ العائلة الذي يدفع أولاده الحال مع قصة(أعمامه البخلاء) التي تعتمد الحكاية المروية شفاهية علي طريقة أيام زمان، وهذه المرة مجموعة حكايات عن أعمامه البخلاء، فهذا يتزوج من امرأة مطلقة لئلا يدفع(مهراً) وذاك يتعلم المشي بهدوء لئلا تبلي حذائه، ثم ربّ العائلة الذي يدفع أولاده إلي مسك اللحوم في دكان القصاب ومن ثم غسل أيديهم في طنجرة الطعام حتي يشم رائحة اللحمة حين يأكل الخبز المنقع فيها، نعم إنهم رضعوا البخل رضاعة عن أجدادهم، ومن ينعتونه بالبخل فقد امتدحوه المهم بالنسبة لهم هو بقاء المال في مكانه وأن يكبر هذا المال بأي وسيلة كانت حتي إن جاء ذلك عن طريق الذم والشتائم! وفي (ظهيرة قائظة) يكتب فيصل عبد الحسن قصة تسخر مما جري أيام حرب الخليج الثانية عام 1991 حيث تصل السريالية والفانتازيا آخر حدودهما، إذ توصم أية مدينة أو قرية بالعار إذا تمكنت طائرات أمريكا من قذفها بالصواريخ، وكان ينبغي علي أهلها التصدي للعدو وحرق طائراته – حتي من دون سلاح- أو إبلاغ المسؤولين الكبار بما يحدث (وهذا أضعف الإيمان) بحيث يقام تمثال شامخ لرجل أراد أن يتصل برئيس الجمهورية ليخبره أن الطائرات عادت تحلق فوق المدينة. لكن المؤلف يقفز علي أيما حدث مهم في قصصه عموماً، ليأخذ المسار المعاكس، إذ ينتقل من حكاية إلي حكاية دون أن يستفيد من إشباعها، مع أن خبرته في كتابة القصص تمتد إلي سنوات بعيدة، إنه يكتب علي طريقة من يقول: سأقصّ عليكم الحكاية كما أخبروني بها. ** يتجزأ الكتاب إلي ثلاثة أجزاء، فالمؤلف يري في هذه القصص ما يشبه الرسوم، واحدة بالأبيض والأسود، وهو ما يتعلق بأعمامه اللصوص وأعمامه السبعة وأعمامه البخلاء وأعمامه المقلدون، والثانية بدون ألوان ثابتة عن كلبة صارت نمراً وعن ظهيرة حارقة، أما الجزء الثالث فهو بألوان قوس قزح عن موت سعيد وأحلام ربما تتحقق أو حياة قد يتغير مسارها ذات يوم. في قصة(الجثة) يعثر أحدهم علي جثة جندي أمريكي في سيارة محترقة، يشاركه أخوته في أخبار السلطات عن مكان الجثة، لكن التهمة تأتي من واشنطن، من البنتاغون تقول التهمة بصراحة إن هؤلاء الأخوة الثلاثة قاموا بتعذيب الجندي الأمريكي حتي الموت وإن وزارة الدفاع تدرس فكرة القيام بإنزال قوات خاصة للقبض عليهم ومحاكمتهم علي تلك الجريمة البشعة. يتساءل أحدهم وهو يري جثة القتيل الذي كان وسيماً قبل موته: - كم كان غريباً بأجهزته حين كان حياً! بينما يقول الثاني: - ستحط علي رؤوسنا المصائب إذا لم ندفنه ونقطع خبره. وكان علي حق فيما فكر به، فها هي وزارة الدفاع الأمريكية تدرس خيارها النهائي بإنزال قوات خاصة فوق قرية(المنيصير) للقبض علي أولئك الأبرياء الذين غرقوا في شبر من الماء! وفي قصته المتميزة (أعمامي السبعة) نجد لكل عم حكاية تستحق أن تذكر بشرح أطول، كما نجد أنفسنا أمام رواية لم تكتب عن حقبة من حياة القري والأرياف النائية، وعن ذاك الخليط العجيب المبعثر من العادات والطقوس التي ما يزال بعضها يتناسل عن بعض برغم حمي التكنولوجيا والتطور وحرب النجوم. أعمامه السبعة يرغمون الضيوف علي أكل طعام كثير، وإذا ما رفض الضيف عزومة أعمامه سيري نفسه في حال لا يحسد عليها، فهناك لحم ورز ومشويات تزدحم في طست النحاس، وعزومة هؤلاء لا علاقة لها بالكرم الذي تعرفه العرب، وإنما طريقة معوجة لإثبات الذات علي أنهم أسياد المكان بلا منافس! وهؤلاء السبعة شاركوا في حروب البلاد المتنوعة، أحدهم عاد إلي ضابطه المسؤول وهو يمسك إذن جنرال إيراني وهو يسحبه خلفه كما الخروف، وآخر عاد إلي معسكره مع ثلاثة جنود أسري، والثالث فقد نصف وجهه بشظية والتالي خسر ذراعه اليمني في القتال، فمضي لتربية الدجاج، وهكذا نري علي الورق رواية قتلها المؤلف من أجل أن تبقي مجرد قصة قصيرة بين القصص! أما قصة(دنيا أخري) وهي من قصص الجزء الثالث، فسوف نقرأ حكاية السيد جميل الذي هبطت عليه السعادة فجأة، بعد أن حطمه الجزع والمذلة يري ثلاجته محشوة بأفضل أنواع الطعام، وحين يمضي لتسلم راتبه فهو يأخذ من أمينة الصندوق عشرة آلاف دينار بعد أن كان راتبه مائة دينار فقط، وفي باص الركاب الرخيص تبتسم له تلميذة حسناء توافق فوراً علي الزواج منه برغم أنه يكبرها في السن أكث مما يجب، يعطيها مفتاح بيته بلا تردد، فتأتي إليه بعد إنجازها الدروس في الجامعة، لكنها تطلب منه الذهاب إلي أهل الميت الذي رأته في غرفة نومه حتي يأخذونه إلي المقبرة، فيكتشف أن الميت الذي ما يزال علي فراشه لم يكن إلا هو نفسه، سوي أن الجثة (جثته) تشير إلي رجل مات من آثار الجوع والحرمان والإهمال والحسرات. - يبدو أن المرحوم لم يذق طعاماً منذ عدة أيام - صفحة 122. ذلك ما قالته التلميذة الحسناء وهي تحدق بالجثة المهملة علي فراش السيد جميل (ما أشد نحافته واصفرار وجهه) أما الحي الميت الذي ابتسمت له الدنيا فقد أيقن أنه الآن في مكان آخر بعيد جداً عما كان فيه. وهنا، لم يسقط المؤلف في لعبة اليقظة والحلم التي سقط فيها عشرات القصاصين، عندما ينتهي هذا النوع من الحكايات بقولهم (وهنا استيقظ فلان من نومه فزعاً مرعوباً) وتنتهي القصة مأسوفاً عليها وعلي كاتبها، بل أعطي حكايته نهاية بمذاق معاصر. ومن قصص الجزء الثاني نبدأ بقصة عنوانها(الكلبة التي صارت نمراً) وهي حكاية موجعة فعلاً عن الجوع العراقي في زمن الحصار، تدور أحداثها في (قلعة صالح) وهي مدينة تقع بين محافظتين في الجنوب هما العمارة من الشمال والبصرة من الجنوب، إذ يأتي فريق تصوير لعمل فيلم عن آثار الحصار، فيحتاج هذا الفريق التلفزيوني إلي نمر في إحدي اللقطات، فما وجدوا سوي كلبة هزيلة نفخوها بطريقة ما وأحاطوها بالمطاط مع قناع نمر متوحش، لكن الكلبة وبسبب جوعها المزمن تري ربلة المذيعة الطرية فما كان منها غير أن تقضم جزءاً من ساقها وتهرب بالغنيمة تاركة الفيلم وفريق العمل في حصار من وع آخر! الكلبة – كما يقول المؤلف علي الصفحة 67- تحولت إلي نمر وأخذت تراقب ذاك الكرنفال بحذر، لم تستطع أن تفعل ما كان يفعله مغامرو المدينة، حاولت أن تقضم نواة تمر، لكنها كسرت جزءاً من أحد أسنانها، فما كان منها لاحقاً غير أن تجد الفريسة التي تناسب أنيابها! أما القصة التي حملت عنوان الكتاب، وأعني بها طبعاً (أعمامي اللصوص) فهي حزمة حكايات في قصة واحدة عن لصوص أيام زمان وطرائف ما يفعلونه بضحاياهم، حتي ليبدو لك اللص محبوباً أكثر من كونه منبوذاً، فهذا السارق لا يكتفي بأخذ مال المسروق وإنما يدفع به إلي السجن وإلي طلاق زوجته وأخذ حصانة في غزوة واحدة، وفيصل عبد الحسن كما نري يمتلك أرشيفاً محترماً من حكايات (أعمامه اللصوص) وهم لصوص إلي حدٍ ما كما يقول الجد الأكبر، أما الضحية التي يسلبونها كل شيء فهي من جنس (المعدان) وهم سكان منطقة الأهوار في جنوب العراق وتعود أصولهم إلي السومريين أهل البلاد الأصليين وهم يعيشون عادة علي صيد الأسماك وتربية الحيوانات ومنها الجاموس، ولا تدري لماذا يتلذذ المؤلف بالضحك منهم وعليهم؟! - جدتي تعتقد أن المعدان من المشركين الكفار وسرقة حلالهم واجبة وتبيحها الشرائع والدين وهي مفاهيم خاطئة لا نعرف من أين توارثها أهلنا؟ ص 49. لكن المؤلف ما ينفك يسخر منهم علي طول الجزء الأول من حكايات أعمامه السبعة، بل تشعر – أنت القارئ- أن سوء الفهم بشأن المعدان لم يكن اعتباطياً، بل هو أمر مرسوم قبل الكتابة وبعدها! وفي قصة (أعمامي المقلدون) وهي واحدة من أطرف قصصه وربما أكثرها قرباً إلي واقعنا المضحك في الستينات من القرن العشرين وما قبل ذلك أيضاً، حيث يأخذنا إلي مرحلة اشتهر فيها عبد الحليم وفريد الأطرش وكان بعض الشباب يقلد شخصية هذا وذاك إلي حدود التماهي المطلق، ومن هنا تبدأ حكاية أعمامه السبعة( إنهم سبعة في القصص جميعها) فهذا يقلد( مسعود العمارتلي) وهو مطرب من جنوب العراق تقول الروايات بأنه كان امرأة، إلا أنه دأب علي ارتداء ملابس الرجال والغناء بصوت ذكوري قوي، وذاك يقلد بونزي الأمريكي والثالث يقلد داعية إسلامي وثمة من يقلد زبرو الإيطالي وبينهم من يقلد مطرب الأحزان فريد الأطرش ومنهم من يقلد منافسه الدائم حليم، لكنهم عائلة(ديمقراطية) تفهم المعني لهذه الكلمة علي ضرورة العيش تحت سقف واحد برغم اختلاف الذوق، ولو استيقظ اليونانيون القدماء من قبورهم – كما يقول المؤلف- وأنصتوا لكيفية استخدامنا كلمة الديمقراطية لضربوا رؤوسهم ونتفوا لحاهم شعرة شعرة، ثم نرجع إلي بداية القصة لنقرأ: نحن عائلة من المقلدين الكبار، نقلد من يجذب انتباهنا وينحفر في ذاكرتنا، نلبس ما يلبس ونفعل ما يفعل، وهذه حقيقة يعرفها من عاش حمي السينما آنذاك وتأثيرها في عقول الناس. لقد أخذنا فيصل عبد الحسن في هذه القصص إلي دنيا كدنا ننساها بفعل ما جري في حياتنا من هموم، لكنه راح يتذكر معنا في بعض قصصه ما فعلته الحروب بأولادنا، مما زاد في حسراتنا وهمومنا، وله طاقة عجيبة في إعادة ذكري الأشياء المنسية، بحيث ندخل معه مرة علي (مقهي الفكاهة) في قصة (المضحكة) ونخرج معه مرة إلي البنك الوطني في قصة أخري، كما لو أنه ما زال هناك بين بغداد وقلعة صالح والناصرية مع أنه غادر البلاد منذ أول مجري غازلت درب التبانة في طريقها إلي أعمامه اللصوص!
AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1864 --- Date 17/7/2004
جريدة (الزمان) --- العدد 1864 --- التاريخ 2004 - 7 - 17
AZP09
لنفعل ما فعلته الأسكا...!!
بقلم :فيصل عبد الحسن 
كلما ارتفعت أسعار النفط ارتفعت تكاليف الحياة على ملايين من العراقيين المنفيين خارج وطنهم ومعظمهم في (دول فقيرة بالكاد تجد شعوبها خبز الكفاف اليومي)والذين لا تشجعهم الظروف الصعبة الحالية التي يعيشها المواطنون العراقيون في داخل الوطن على العودة ، والعراق يعيش تحت هيمنة ألاءات الجبارة الكثيرة المدمرة : لا أمن ، لا كهرباء ، لا عمل ، لا صحة ، لا تعليم حقيقي في الكثير من المحافظات العراقية وتسرب الأطفال من المدارس بلغ مداه الأكبر ، لا مسئولين حكوميين صادقين مع أنفسهم ومع الناس إلا فيما ندر فقلة قليلة من يرعون مصالح الناس أو يشعرون بمعاناتهم ،ولا يبدو أفق قريب لحلول جذرية للمشاكل التي تتضخم كل يوم والحياة العراقية برمتها في الوطن متروكة للمصادفة ورحمة المحتل والمليشيات وللموظفين الفاسدين ومخابرات الدول المجاورة!!
من حق الملايين الأربعة المهجرة إلى خارج العراق الآن المطالبة بحقهم من عوائد نفط العراق ،حتى لو اضطروا إلى رفعهم طلباتهم إلى الأمم المتحدة عبر جمعيات ولجان يتم تشكيلها لهذا الغرض ، والطلب لوضع الحكومة العراقية جزء من عوائد النفط تحت أشراف لجنة دولية لتوزيعها على العراقيين المهجرين لأنها مقصرة مع شعبها ومن الضروري إلزامها بسلسلة من الإجراءات الدولية الشبيهة ببرنامج النفط مقابل الغذاء الذي صدر في التسعينات في عهد النظام السابق ، فليس من المعقول أن تذهب أموال النفط إلى حسابات حفنة من الموظفين الفاسدين والأحزاب التي لا يفكر قادتها بمصير العراقيين أكثر من تفكيرهم بأرصدة أحزابهم المالية ، العراقي في الداخل أو الخارج له الحق في التعليم فإذا لم يعط هذا الحق في داخل وطنه يعطى له المال المكافئ ليتعلم في الدولة التي يعيش فيها لاجئا أو مقيما وكذلك عما يقابل ثمن الدواء والعلاج ، وخدمات الكهرباء والماء والاتصال ورغيف العيش !! وكل ما يجعل حياته إنسانية أسوة بأفراد شعوب الأرض ودولها التي حباها الله بثروات كثروات العراق النفطية .
كلما أرتفع ثمن برميل البترول دولارا في الأسواق العالمية كلما هلل حرامية أموال النفط في العراق لهذا الصعود ومعهم توابعهم من سماسرة وميليشيات ومرتزقة ، وسياسيين فاسدين وموظفين مرتشين ، ومسئولين كبار(طيبي النية أو بالأحرى من أولئك المغفلين الذين تحكى عنهم النوادر والطرائف ) الذين لا يعرفون من مبادئ الرياضيات غير الجمع والطرح وعندهم عمليات الضرب عمليات جمع متكررة وعمليات القسمة عمليات طرح مطولة !! وكلما تزايدت أسعار البترول عالميا ارتفعت نار المرجل تحت مقاعد العراقيين الذي يعيشون بالمنافي ، وعددهم أكثر من أربعة ملايين عراقي شرد بعضهم نظام صدام وتشرد القسم الآخر بسبب توابع زلزال سقوط نظام صدام وسياسة الحكم الجديدة التي أبرز سماتها التقسيم الطائفي والتناحر المذهبي بسبب صعود أحزاب دينية إلى السلطة وبعد أن عانى العراق طويلا من سيطرة أحزاب قومية عروبية ساهمت في خلق معادلات مناوئة لها من قبل القوميات الأخرى التي تعيش في أخوة منذ القديم على أرض الوطن الواحد ، وكذلك فسح المجال لأيد أجنبية من دول الجوار بالتلاعب بعواطف الناس وبث الفتنة والفرقة بين أبناء الوطن الواحد بمختلف الأساليب العلنية أو المخابراتيه أو ما يسمى بالعرف ألمخابراتي لهذه الدول ب ( الطرق القذرة.. لزرع الفتنة : تفجيرات مبرمجة في مناطق لهذه الطائفة يتبعها انتقام في مكان آخر لطائفة أخرى وغير ذلك من الوسائل ، أخرها العبوات اللاصقة التي تلصق من دون علم سواق المركبات لتنفجر المركبات وسط الأسواق والمرافق العامة .)
وعلينا أن نتعلم من خطط الدولة التي احتلت بلادنا وكيف تعاملت مع آهل الأسكا ونفطهم والأسكا منطقة تقع في شمال كندا وتابعة لكندا في الستينات ثم ضمتها الولايات المتحدة الأمريكية لها في السبعينات من القرن الماضي وتجربة ولاية ألاسكا في توزيع واردات النفط على المواطنين، معروفة لدى جميع المتابعين لشؤون النفط وموارد الدول النفطية فبعد اكتشاف النفط في أراضي الأسكا، أدركت حكومة الولاية المنتخبة أن الامتيازات النفطية الجديدة ستدر عليها مبالغ مالية كبيرة لا يمكن استثمارها بالطرق المعروفة.
ولسن قوانين جديدة تنظم عملية الاستفادة من ريع الثروة النفطية وصوت مواطنو ألاسكا في عام 1976 على تعديل الدستور بهدف أقامة صندوق (ألاسكا الدائم) الذي يتولى أدارة واستثمار 25% من الإيرادات التي تتقاضها حكومة الولاية من تطوير احتياطي النفط، وعينت من يدير الصندوق وهو مجلس أمناء خاضع للمساءلة من حكومة ومواطني الولاية. واشترطت إنشاء قواعد الصندوق على توزيع العوائد التي يدرها استثمار هذه الأموال على تمويل مشاريع البنى التحتية وتوزيع المتبقي بشكل أرباح سنوية على مواطني الولاية سواء كانوا رجالا أو نساء أو أطفالا !!
أن ما تناقلته وكالات الأنباء من تصريحات الزعيم الليبي معمر ألقذافي حول توزيع عوائد النفط في بلاده على أفراد الشعب الليبي ، وفي رأيي أن خطوة ألقذافي في توزيع عائدات النفط أفضل بكثير ممن يضعونها مباشرة في حساباتهم الشخصية .. وبرغم ذلك يهلل لهم الناس ويفعل ذلك حتى أولئك الذين كنا نؤمن برزانتهم العلمية والأكاديمية للأسف ! وعلينا أن نترك الرجل لضميره .. كما يقول احد الكتاب المصريين فإن كان فعلها من وازع التوزيع العادل للموارد ... فنتمنى له ولشعب ليبيا التوفيق وإن كان قد قالها للدعاية الإعلامية فقط .. ( فنسأل الله له أن يلهمه الهداية وليعمل لأخرته فإن العمر فان ) وللتجربة الليبية سوابق فهي نهاية كل عام كما رأيت ذلك بعيني عام 1996 عندما كنت أعمل بليبيا كيف تم توزيع عوائد البترول على الليبيين وكيف استلمت كل عائلة مبلغ 500 دولار ( ووقتها كانت أسعار البترول 15 دولارا للبرميل ) وقد تم تحويلها في المصارف الليبية ل 1500 دينار ليبي لكل عائلة ليبية وهو مبلغ كبير إذا عرفنا أن المواد الغذائية في ليبيا مدعومة حكوميا في ذلك الوقت وتقترب أسعارها لتكون بأرخص الأثمان في كل قارة أفريقيا وأن متوسط الراتب الشهري للموظف الليبي كان 100 دينارا وليبيا من الدول التي يتمتع شعبها بتعليم وصحة حكومية مجانية .
أن قضية توزيع عوائد النفط على الشعب العراقي ليست من أحلام قصاصي الخيال العلمي وأحلام الكتاب والصحفيين العراقيين بل هناك حزمة من القوانين المرتبطة بهذا الموضوع في الدستور العراقي الجديد الذي أستفتي عليه الشعب العراقي ونال موافقته منها قانون توزيع العائدات النفطية وهو قانون منفصل عن قانون النفط والغاز في الدستور في المادة 111 والمادة 112 التي استندت عليها كتابة هذا الدستور وتنص على ملكية النفط والغاز للشعب وكذلك توضح الفقرة 112 أن العائدات المالية من النفط توزع على الشعب من خلال معيارين الأول هو المعيار السكاني والثاني هو معيار الحرمان الذي أصيب به الشعب العراقي في بعض المحافظات بما يحقق المنفعة المتوازنة للعراق كله أذا الإيرادات والتوزيع كلاهما كان مركزيا...
أن الملايين الأربعة من العراقيين خارج العراق تموت جوعا وعوزا وذلا فهل من مغيث ؟!!!
· كاتب وصحافي عراقي يقيم بالمغرب
faissalhassan@hotmail.com
|